قالوا: «الفتح كان في رمضان لثمان سنين من قدوم النبي - ﵌ - المدينة، ومعاوية مقيم على شركه، هارب من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله - ﵌ - فعفا، ثم شفع إليه أن يشرِّفه ويضيفه إلى جملة الكُتَّاب، فأجابه وجعله واحدًا من أربعة عشرة، فكم كان حظه من هذه المدة لو سلّمنا أنه كاتب الوحي حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟».
الجواب:
وأما قولهم: «إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي - ﵌ - المدينة»، فهذا صحيح.
وأما قولهم: «إن معاوية كان مقيمًا على شِرْكِهِ هاربًا من النبي - ﵌ -؛ لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي - ﵌ - مضطرًا فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﵌ - بخمسة أشهر».
فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قول الشيعة: «إنه من المؤلفة قلوبهم»، والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي - ﵌ - عام حُنَين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية - ﵁ - ممن أعطاه منها، والنبي - ﵌ - كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هاربًا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت النبي - ﵌ - لم يعطَ شيئًا من غنائم حنين.
ومن كانت غايته أن يُؤَمَّن لم يحتج إلى تأليف.
[ ١٩٧ ]
وقد ذكر البياضي - وهو من علماء الشيعة - أن معاوية أظهر إسلامه في عام الفتح، فقال: «قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمانية من الهجرة» (١).
فهذا شاهد منهم ينقل أنه قد صح إظهار معاوية لإسلامه في السنة الثامنة - عام الفتح - وقوله حجة على من زعم تأخر ذلك.
وأقل أحوال معاوية أن يكون من الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم، وكونه منهم لا يقدح به لأن أكثر الطلقاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم.
وبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك.
ومما يبيّن كذب ما ذكره الرافضة أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي - ﵌ - قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
في تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجِّلوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أمانًا لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي - ﵌ - غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.
ولو كان لمعاوية - ﵁ - من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية - ﵁ - ممن أهدر دمه عام الفتح.
فهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره الشيعة.
والذين أهدر النبي - ﵌ - دماءَهم كانوا نفرًا قليلًا نحو العشرة.
وأبو سفيان كان أعظم الناس عداوة للنبي - ﵌ -؛ فهو في غزوة بدر الذي أرسل إلى قريش ليستنفرهم، وفي غزوة أحد هو الذي جمع الأموال التي كانت معه
_________________
(١) الصراط المستقيم للبياضي (٣/ ٤٦).
[ ١٩٨ ]
للتجارة، وطلب من قريش أن ينفقها في قتال رسول الله - ﵌ -، وهو أعظم قواد الجيش يوم أحد، وهو قائد الأحزاب أيضًا، وقد أسلم أبو سفيان، وأمّنه النبي - ﵌ -.
فكيف يُهدِر دم معاوية، وهو شاب صغير ليس له ذنب يختص به، ولا عُرف عنه أنه كان يحضُّ على عداوة النبي - ﵌ -، وقد أمَّن رؤوس الأحزاب؟ فهل يَظُن هذا إلا مَن هو أجهل الناس بالسيرة؟ وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم مذكور في عامة الكتب المصنّفة في هذا الشأن.
* وأما قولهم: «إنه استحق أن يُوصف بذلك دون غيره».
ففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل هو واحد من كتّاب الوحي.
[ ١٩٩ ]