هل حُمِلَتْ الخمرُ لمعاوية - ﵁ -؟
أولا: روي عن أبي تميلة يحيى بن واضح، عن محمد بن اسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تُحمل لمعاوية، فقام إليها عبد الرحمن برمحه فنقر كل راوية منها، فناوشه غلمانه، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: «دعوه، فإنه شيخ قد ذهب عقله!».
فقال: «كلا والله! ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله - ﵌ - نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرًا، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله - ﵌ - لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه» (١).
الجواب:
هذا الأثر ضعّفه الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (٢).
وهو خبر باطل، وسنده مسلسل بالعلل: فابن إسحاق مدلس - وقد عنعن - وبريدة واهٍ، وكان غاليًا في التشيع، ومحمد بن كعب لم يدرك الواقعة، كما يظهر من ترجمته وطبقته (٣).
_________________
(١) رواه الحسن بن سفيان في مسنده، وابن منده وابن قانع، كما في الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨٢٨)، وابن عساكر (٣٤/ ٤٢٠).
(٢) الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (٦/ ٢٨٦).
(٣) تهذيب الكمال وحاشيته (٤/ ٥٦، ٢٦/ ٣٤٧).
[ ٢٣٨ ]
ثانيًا: روى ابن عساكر من طريق يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: «ما هذه؟ أزَيْتٌ؟».
قيل: «لا، بل خمر تباع لفلان».
فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يَذَرْ فيها راوية إلا بَقَرَها، وأبو هريرة إذا ذاك بالشام.
فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: «ألا تمسك عنَّا أخاك عبادة بن الصامت، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا؛ فأمسك عنا أخاك».
فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: «يا عبادة ما لك ولمعاوية؛ ذَرْهُ وما حمل فإن الله يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة:١٣٤).
قال: «يا أبا هريرة لم تكن معنا إذا بايعنا رسول الله - ﵌ -، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وَفّى وَفّى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله - ﵌ -، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه».
فلم يكلمه أبو هريرة بشيء فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: «إن عبادة بن الصامت قد أفسد علىَّ الشام وأهله فإما أن يكف عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام»، فكتب عثمان إلى فلان أن رحِّله إلى داره من المدينة.
فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يفْجَأ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار فالتفت إليه فقال: «ما لنا ولك يا عبادة».
فقام عبادة قائمًا وانتصب لهم في الدار قال: «إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تنكرون فلا طاعة لمن عصى فلا تعتلوا بربكم» فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانًا لمن أولئك».
فما راجعه عثمان بحرف (١).
الجواب:
أولًا: هذا الحديث لا يصح، وقد رواه الإمام أحمد بدون ذكر قصة الخمر وبدون ذكر حوار عبادة مع أبي هريرة وبدون ذكر معاوية - ﵃ -، ورواه الحاكم كذلك ولكن ذكر فيه قول عبادة: «فو الذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك».
وهذا الحديث قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٥٢٨) وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.
ثانيًا: على فرض صحة الحديث - وهو ليس بصحيح - فهذا اجتهاد من عبادة بن الصامت - ﵁ - في حمله الحديث على معاوية - ﵁ -، فعمر وعثمان - ﵄ - جعلا معاوية واليًا على الشام ولم يتهماه مدة ولايته.
وأدرك جمع من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية، ولم ينزعوا يدًا من طاعة - ﵃ - أجمعين.
ثالثًا: من جهة متن الحديث فعلى فرض صحته - وهو ليس بصحيح - ليس صريحًا في أن الخمر كانت لمعاوية - ﵁ - بل جاء فيه «ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم »، وفيه «خمر تباع لفلان»!!
وكذلك لو صح لكان فيه طعن في عثمان - ﵁ -؛ يبلغه عن معاوية المتاجرة في الخمور فلا يعاقبه بل يجعله واليًا على أهل الشام؛ بل يعاتب عبادة بن الصامت - ﵁ - لأنه أنكر عليه!!
_________________
(١) تاريخ مدينة دمشق (٢٦/ ١٩٨).
[ ٢٣٩ ]
تنبيه:
قد أورد ابن عراق الكناني أثر ابن عائشة عن أبيه: كان يزيد في حداثته صاحب شراب فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه فأنشده أبياتًا يرخص له في فعل ذلك بالليل!!
يقول فيها:
حتى إذا الليل أتَى بالدجَى واكتحلتْ بالغمضِ عينُ الرقيبِ
باشر الليل بما تشتهِي فإنما الليل نهارُ الأريبِ
كم فاسق تحسبه ناسكًا قد باشر الليلَ بأمرٍ عجيبِ
ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌ يسعى بها كلُّ عدوٍّ مريبِ
قال ابن عراق: «وهذا على انقطاعه كذب آفته الغلابي، وإنما الأبيات ليحيى بن خالد البرمكي كتب بها إلى ولده عبدالله وقد أحب مغنية» (١).
_________________
(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة (٢/ ٩).
[ ٢٤١ ]