هل أراد معاوية - ﵁ - أن ينقل
منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام؟
ذكر الإمام الطبري - ﵀ - في كتابه التاريخ في حوادث سنة ٥٠ هـ، قال محمد بن عمر (١): «وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله - ﵌ - أن يحمل إلى الشام، فحرك فكسفت الشمس حتى رُئِيَت النجوم بادية يومئذ، فأعظم الناس ذلك.
وجاء في رواية أخرى: «قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله وعصاه لا يُتْركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه»، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاء أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: «يا أمير المؤمنين، نذكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصح، تُخرِجُ منبر رسول الله - ﵌ - من موضع وضعه، وتخرج عصاه من المدينة».
فترك ذلك معاوية، ولكن زاد في المنبر ستَّ درجات، واعتذر إلى الناس.
وفي رواية: «قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال: قال معاوية: «إني رأيت أن منبر رسول الله - ﵌ - وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه».
وفي رواية: قال محمد بن عمر - بعد أن ساق سند الرواية ـ: «كان عبدالملك قد هَمَّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب: «أذَكّرك الله ﷿ أن تفعل هذا، أن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حرَّكه فكسفت الشمس» (٢).
_________________
(١) الواقدي الكذاب.
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢١٤) تاريخ الطبري (٦/ ١٥٥).
[ ٢٨١ ]
تحدثت الروايات السابقة عن القضايا التالية:
* عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام.
* ربط كسوف الشمس بتحريك منبر رسول الله - ﵌ -.
* اتهام معاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار).
الجواب:
أولًا: هذه الروايات مدارها على محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث.
ولا توجد رواية صحيحة تؤكد عزم معاوية - ﵁ - نقل منبر الرسول - ﵌ - وعصاه إلى الشام، ولا بغضه لأهل المدينة (الأنصار) (١).
ثانيًا: إن دين معاوية - ﵁ -، وعدالته، وصحبته لرسول الله - ﵌ - تمنعه مِن حَمْل منبر رسول الله - ﵌ - من المدينة إلى الشام وهو يعلم قوله - ﵌ -: «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري ومسلم).
ثالثًا: إن ربط كسوف الشمس بتحريك المنبر لم يَرِدْ بإسناد صحيح، هذا فضلًا عن أن كسوف الشمس - على افتراض حدوثه - لم يكن نتيجة لتحريك المنبر، وقد حصل ما يشبه ذلك في عهد الرسول - ﵌ -، حيث أخرج البخاري عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ».
رابعًا: في هذه القصة المكذوبة اتهام لمعاوية - ﵁ - ببغض أهل المدينة (الأنصار) لكونهم قتلة عثمان بن عفان - ﵁ -.
_________________
(١) وهناك رواية أخرى أوردها ابن الأثير في الكامل (٢/ ٤٨٢)، وهي ضعيفة الإسناد؛ انظر: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص٣٩٠).
[ ٢٨٢ ]
وإن تقريب معاوية للأنصار وتوليته إياهم في مناصب هامة وحساسة يَرُدّ هذه الفِرْيَة، ومن الشواهد على ذلك:
- توليته فضالة بن عبيد الأنصاري - ﵁ - قضاء دمشق، وتوليته إياه منصب أمير البحرية الإسلامية في مصر.
- تعيينه النعمان بن بشير الأنصاري - ﵁ - أميرًا على الكوفة.
- تعيينه مسلمة بن مخلد الأنصاري - ﵁ - أميرًا على مصر والمغرب معًا.
- تعيينه رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ - أميرًا على طرابلس (١).
_________________
(١) انظر: الاستيعاب (٢/ ٥٠٤)، (٣/ ١٢٦٢)، الإصابة (٥/ ٣٧١)، مرويات خلافة معاوية (ص٣٩١، ٣٩٢).
[ ٢٨٣ ]