قالوا: «قد روى عبد الله بن عمر، قال: أتيت النبي - ﵌ - فسمعته يقول: «يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي»، فطلع معاوية.
وقام النبي - ﵌ - خطيبًا، فأخذ معاوية بيد ابنه زيدًا أو يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي - ﵌ -: «لعن الله القائد والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة؟».
الجواب:
أولًا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه كذب.
ثانيًا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف.
وهذا المحتج به لم يذكر له إسنادًا، ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية - ﵁ - معروف ثابت عنه.
قال ابن كثير: «وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: «ما رأيت أحدًا أسْوَد (١) من معاوية».
قال: قلت: «ولا عمر؟».
قال: «كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسوَد منه» (٢).
ثالثًا: إن خُطب النبي - ﵌ - لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وابنه كانا يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم.
_________________
(١) من السيادة.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٥٣).
[ ٢٠١ ]
أفَتَراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمَكَّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي - ﵌ - وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كانا يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟
ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله - ﵌ -، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي - ﵌ -.
وكيف يتخذ النبي - ﵌ - كاتبًا مَن هذه حاله؟
رابعًا: أما قولهم: «إنه أخذ بيد ابنه زيدًا أو يزيد»، فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان - ﵁ - باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله - ﵌ -.
[ ٢٠٢ ]