هل قتل معاوية - ﵁ -
خمسة وعشرين بدريًا يوم صِفِّين؟!
الجواب:
إن صِفِّين لم يحضرها من الصحابة - ﵃ - إلا عددٌ قليلٌ بل قيل لم يحضرها إلا خزيمة بن ثابت - ﵁ -؛ فعن أمية بن خالد قال: «قلت لشعبة: «إن أبا شيبة حدثنا عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «شهد صِفِّين من أهل بدر سبعون رجلًا».
قال: «كذب والله؛ لقد ذاكرتُ الحكم ذاك، وذكرناه في بيته فما وجدنا شهد صِفِّين أحدٌ من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت (١).
وعن روح قال: حدثنا شعبة قال: «ذاكرتُ الحكم مَن شهد صِفِّين من أهل بدر فأثبت فيهم خزيمة بن ثابت، وكان شعبة ينكر أن يكون أبو الهيثم بن التيهان شهد صِفِّين» (٢).
قال الإمام الذهبي: «قَالَ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدٍ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: «إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ صِفِّينَ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُوْنَ رَجُلًا».
قَالَ: «كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، لقَدْ ذَاكَرتُ الحَكَمَ، فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، غَيْرَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ».
«قُلْتُ - أي الذهبي ـ: «قَدْ شَهِدَهَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، وَالإِمَامُ عَلِيٌّ أَيْضًا» (٣).
وقال الحافظ ابن كثير: «وقد قيل أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف وكذا
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٢٨٧)، وابن عدي في الكامل (٢٣٩)، والخلال في السنة (٢/ ٤٦٥)، رقم (٧٢٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١١٣)، وسنده جيد.
(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (١/ ٤٣١).
(٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢١).
[ ٢٩٦ ]
أبو أيوب الأنصاري» (١).
وعن إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين قال: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض» (٣).
وروى معمر بن راشد في (جامعه) عن أيوب عن ابن سيرين قال: «ثارت الفتنة، وأصحاب رسول الله - ﵌ - عشرة آلاف، لم يخِفّ (٤) منهم أربعون رجلًا».
قال معمر: «وقال غيره: «خَفَّ معه - يعني عليًّا - ﵁ - - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر، منهم أبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعمار بن ياسر» (٥).
ورواه الحاكم (٦) من طريق معمر بن راشد إلا أنه جعل آخره من كلام ابن سيرين فوهم ولم يُصِبْ!.
_________________
(١) البداية والنهاية (١١/ ٤٩١).
(٢) رواه الإمام أحمد في «العلل» (٣/ ١٨٢) (٤٧٨٧)، والخلال في «السنة» (٢/ ٤٤٦) رقم (٧٢٨)، وابن شبة في «أخبار المدينة» (٢٢٨٦).
(٣) منهاج السنة (٦/ ٢٣٦).
(٤) خَفَّ القوم عن منزلهم خُفُوفًا: ارْتحَلُوا مسرعين، وقيل: ارتحلُوا عنه فلم يَخُصُّوا السرعة، والخُفُوفُ سُرعةُ السير من المنزل، يقال: حان الخُفُوفُ. (انظر: لسان العرب، مادة خفف).
(٥) رواه معمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٥).
(٦) المستدرك (٥/ ٦٢٧) (٨٤٠٧).
[ ٢٩٧ ]
فقول من قال: «خَفَّ مع علي - ﵁ - مئتان وبضعة وأربعون من أهل بدر» مردود من وجوه:
١ - أنه لا يُدرى من قال هذا، وعَزْوُ الحاكم في (مستدركه) هذا إلى ابن سيرين لم يُصِبْ فيه فقد رواه هو بنفسه من طريق معمر (١).
والذي في (جامع معمر): «وقال غيره: ». أي غير ابن سيرين.
٢ - أن هذا يخالف ما ذُكِر من الآثار الصحيحة في أن صِفِّين لم يشهدها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة لاسيما أهل بدر.
فصفين لم يدركها إلا قلة من أهل بدر فعن سعيد بن عامر قال: حدثنا هشام عن محمد قال: «وقعت الفتنة وبالمدينة عشرة آلاف، أو قال: أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله فما دخل الفتنة منهم كلهم إلا ثلاثون» (٢).
بل حتى وقعة الجمل لم يحضرها إلا عددٌ قليلٌ من الصحابة - ﵃ -؛ قال ابن كثير: «ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل» (٣).
وقال: «يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، وعن أحمد: «ولا ثلاثون» (٤).
وروى الحاكم ومعمر بن راشد عن سعيد ابن المسيب قال: «ثارت الفتنة الأولى فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الفتنة الثانية فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد»، قال: «وأظن لو كانت الثالثة لم ترفع وفي الناس طَبَاخ» (٥).
ورواه البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى - يَعْنِى مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِى
_________________
(١) فقال: أخبرني محمد بن علي الصنعاني، بمكة حرسها الله تعالى، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين
(٢) رواه ابن شبة في أخبار المدينة (٢٢٨٥).
(٣) البداية والنهاية (١١/ ٤٧٤).
(٤) اختصار علوم الحديث (٢/ ٥٠٠).
(٥) رواه الحاكم في المستدرك (٨٥٠٥) ومعمر بن راشد في جامعه (٢٠٧٣٩) وسنده صحيح.
[ ٢٩٨ ]
الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ».
قال ابن حجر في (فتح الباري):
«قَوْله: (وَقَعَتْ الْفِتْنَة الْأُولَى) يَعْنِي مَقْتَل عُثْمَان.
(فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدًا)، أَيْ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتْ الْفِتْنَة بِمَقْتَلِ عُثْمَان إِلَى أَنْ قَامَتْ الْفِتْنَة الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّة، وَكَانَ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَاتَ قَبْل وَقْعَة الْحَرَّة بِبِضْعِ سِنِينَ.
قَوْله: (ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَة الثَّانِيَة يَعْنِي الْحَرَّة إِلَخْ) كَانَتْ الْحَرَّة فِي آخِر زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة (١).
(ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَة) قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم: هُوَ يَوْم خُرُوج أَبِي حَمْزَة الْخَارِجِيّ، قُلْت: كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة مَرْوَان بْن مُحَمَّد بْن مَرْوَان بْن الْحَكَم سَنَة ثَلَاثِينَ وَمِائَة.
وَقَوْله (طَبَاخٌ): أَيْ قُوَّة. (اهـ باختصار).
تم بحمد الله
_________________
(١) لَمَّا خَلَعَ أَهْل الْمَدِينَة بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَبَايَعُوا عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْأَنْصَارِيّ. وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: «جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: «اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً»، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُهُ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (رواه مسلم).
[ ٢٩٩ ]