قالوا: «إن معاوية سمَّ الحسن بن عليٍّ - ﵄ -».
الجواب:
أولا: هذا الادعاء باطل وذلك لأسباب وهي:
أـ أنه لم يثبت أي دليل صحيح عليه، وإن كان عند الشيعة نقل ثابت عن عدل فليرشدونا إليه لا أن يتهموا صحابيًا دون أن يأتوا ببينة على ادعائهم.
ومثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم.
ب - كان الناس في تلك المرحلة في حالة فتنة تتصارعهم الأهواء وكل فرقة تنسب للأخرى ما يذمها وإذا نقل لنا ذلك فيجب ألا نقبله إلا إذا نقل بعدل ثقة ضابط.
جـ - إن هذه الحادثة - قصة دس السم من قبل معاوية للحسن - تستسيغها العقول في حالة واحدة فقط؛ وهي كون الحسن بن علي - ﵄ - رفض الصلح مع معاوية - ﵁ - وأصر على القتال، ولكن الذي حدث أن الحسن صالح معاوية - ﵄ - وسلم له بالخلافة طواعية وبايعه عليها، فعلى أي شيء يقدم معاوية على سم الحسن - ﵄ -؟؟!!
هـ- لا نلمس لهذه القضية أثرًا في قضية قيام الحسين - ﵁ -، أو حتى عتابًا من الحسين لمعاوية - ﵄ -. ولو كان هذا حقًا لذُكِرَ ذلك.
ثانيًا: أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
١ - قال ابن العربي - ﵀ -:
«فإن قيل: دس - أي معاوية - على الحسن مَن سَمَّه، قلنا هذا محال من وجهين:
أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلّم الأمر.
الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه، في زمن متباعد، لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة
[ ٢٠٥ ]
وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه مالا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم» (١).
٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما قوله: إن معاوية سم الحسن، فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم» (٢).
٣ - قال الذهبي - ﵀ -: «قلت: هذا شيء لا يصح فمن الذي اطلع عليه». (٣)
٤ - قال ابن كثير - ﵀ -: «وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمّي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: «إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟».
وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (٤).
٥ - قال ابن خلدون (٥): «وما نقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث، فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية من ذلك».
ثالثًا: إن الذي نُقِلَ لنا عن حادثة سم الحسن بن علي - ﵁ - روايات متضاربة ضعيفة.
بعضها يقول أن الذي دس السم له هي زوجته.
_________________
(١) العواصم من القواصم (ص ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) منهاج السنة (٤/ ٤٦٩.
(٣) تاريخ الإسلام (عهد معاوية ص ٤٠).
(٤) البداية والنهاية (٨/ ٤٣).
(٥) في تاريخه (٢/ ٦٤٩).
[ ٢٠٦ ]
وبعضها يقول أن أباها الأشعث بن قيس هو الذي أمرها بذلك (١).
وبعضها يتهم معاوية - ﵁ - بأن أوعز إلى بعض خدمه فسمّه.
وبعضها يتهم ابنه يزيد.
وهذا التضارب في حادثة كهذه، يضعف هذه النقول؛ لأنها يعزوها النقل الثابت بذلك، والرافضة - خيبهم الله - لم يعجبهم من هؤلاء إلا الصحابي الجليل معاوية - ﵁ - يلصقون به التهمة، مع أنه أبعد هؤلاء عنها.
رابعًا: إن من الدلالة على ضعف تلك الاتهامات وعدم استنادها إلى معقول أو محسوس، ما ذكر حول علاقة جعدة بنت قيس بمعاوية ويزيد، حيث زعموا أن يزيد بن معاوية أرسل إلى جعدة بنت قيس أن سُمّي حسنًا فإني سأتزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء، فقال: «إنا والله لم نرضك له أفنرضاك لأنفسنا».
ولعل الناقد لمتن هذه الرواية يتجلى له عدة أمور:
* هل معاوية - ﵁ - أو ولده يزيد بهذه السذاجة ليأمرا امرأة الحسن بهذا الأمر الخطير، الذي فيه وضع حد لحياة الحسن بن علي - ﵄ - غيلة، وما هو موقف معاوية أو ولده أمام المسلمين لو أن جعدة كشفت أمرهما؟!
_________________
(١) الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، أبو محمد، له صحبة، وفد على النبي - ﵌ - سنة عشر في سبعين راكبًا من كندة وكان من ملوك كنده، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه وكان مع عليّ يوم صِفِّين وحضر معه وقعة النهروان ثم عاد إلى الكوفة فتوفى فيها سنة ٤٠هـ. روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث. (انظر ترجمته في: الإصابة ١/ ٦٦؛ الأعلام ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤). ومما يدل على كذب هذه الرواية أن الأشعث بن قيس - ﵁ - مات سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي، في العام الذي كان يسمى عام الجماعة، وهو عام ٤١هـ، وكان الأشعث حما الحسن بن عليّ، فلو كان شاهدًا لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن؟!!
[ ٢٠٧ ]
* هل جعدة بنت الأشعث بن قيس بحاجة إلى شرف أو مال حتى تسارع لتنفيذ هذه الرغبة من يزيد، وبالتالي تكون زوجة له، أليست جعدة ابنة أمير قبيلة كندة كافة وهو الأشعث بن قيس، ثم أليس زوجها وهو الحسن بن علي أفضل الناس شرفًا ورفعة بلا منازعة، إن أمه فاطمة - ﵂ - وجده الرسول - ﵌ - وكفى به فخرًا، وأبوه علي ابن أبي طالب - ﵁ - أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، إذًا ما هو الشيء الذي تسعى إليه جعدة وستحصل عليه حتى تنفذ هذا العمل الخطير؟!
* ولو كانت هي التي فعلت ذلك لما خفي ذلك على الحسن أو الحسين - ﵄ - ولأقاموا عليها الحد فلمّا لم يفعلوا ذلك دلَّ على أن هذا الأمر لا يستقيم.
خامسًا: إذا كان معاوية - ﵁ - يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة - ﵃ -، ولن تقتصر التصفية على الحسن - ﵁ - فقط.
سادسًا: إن بقاء الحسن من مصلحة معاوية - ﵄ - في بيعة يزيد، فإن الحسن كان كارهًا للنزاع وفرقة المسلمين، فربما ضمن معاوية رضاه، وبالتالي يكون له الأثر الأكبر في موافقة بقية أبناء الصحابة.
سابعًا: إن هناك الكثير من أعداء الحسن بن علي - ﵁ -، قبل أن يكون معاوية هو المتهم الأول:
فهناك السبئية الذين وجه لهم الحسن صفعة قوية عندما تنازل عن الخلافة لمعاوية وجعل حدًا لصراع المسلمين.
وهناك الخوارج الذين قاتلهم أبوه علي بن أبي طالب - ﵁ - في النهراون، وهم الذين طعنوه في فخذه، فربما أرادوا الانتقام من قتلاهم في النهروان وغيرها.
ثامنًا: إن ثبت موت الحسن - ﵁ - بالسم، فهذه شهادة له وكرامة في حقه كما قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٤٢).
[ ٢٠٨ ]
ولمزيد فائدة راجع كتاب: (أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري) للدكتور محمد نور ولي (١) وكتاب (مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية) للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (٢) لتقف على الكم الهائل من الروايات المكذوبة على معاوية - ﵁ - من قِبَل الشيعة في قضية سم الحسن - ﵁ -.
إن أحد مؤرخي الشيعة وهو ابن رستم في كتابه: دلائل الإمامة (٣) قد بالغ في اتهام معاوية - ﵁ -، وادعى أنه سم الحسن - ﵁ - سبعين مرة فلم يفعل فيه السم، ثم ساق خبرًا طويلًا ضمنه ما بذله معاوية لجعدة من الأموال والضِياع لتَسُمّ الحسن، وغير ذلك من الأمور الباطلة.
_________________
(١) ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢) ص ١٢٠ - ١٢٥.
(٣) ص ٦١.
[ ٢٠٩ ]