إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠).
أما بعد: فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن سلامة القلب تجاه الصحابة والتأدب معهم من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن الطعن فيهم هو وسيلة للطعن في الدين الإسلامي فأصحاب رسول الله كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين.
ومن كتب أهل العلم جمعتُ هذا الكتاب عن أحدهم، وهو معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - - كاتب وحي النبي - ﵌ - وأمير المؤمنين - الذي مكث عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان - ﵄ -، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
[ ٨ ]
هذا الكتاب فيه ذِكْر فضائله - ﵁ - من كتاب الله - ﷿ - وكلام حبيبنا - ﵌ -، وفيه ثناء الصحابة والتابعين وتابعيهم والعلماء عليه - ﵁ -، وفيه ذِكْر جهاده وأخلاقه وحسن سياسته لرعيته، وفيه دفْعٌ للشبهات والأكاذيب التي حاولت النيْل منه - ﵁ -، في وقت اشرأبت فيه أعناق أهل الضلال من الشيعة وغيرهم.
ولعله لم يَنَلْ شخصيةً في التاريخ الإسلامي من التشويه مثل ما نال شخصيةَ معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - خاصة من أهل الأهواء قديمًا للنزاعات السياسية والمذهبية، ثم وجد المستشرقون في رواياتهم مرتعًا خصبًا للنيل من الإسلام.
إن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية: أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله - ﵌ -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
ومَعْنَى الْحَدِيث - كما نقل الحافظ ابن حجر عن الْبَيْضَاوِيّ: «لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه» (١).
ومعاوية بن أبي سفيان - ﵄ - هو أحد الصحابة الذين أكرمهم الله - ﷿ - بصحبة نبيه محمد - ﵌ - وكل كلام يقال في الصحابة فيما يتعلق بفضلهم عمومًا وما يجب لهم عمومًا، فإن معاوية - ﵁ - يدخل في ذلك.
أما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فهو في الحقيقة لم يضرّهم إنما ضرَّ نفسه؛ وذلك أنهم - ﵃ - قدِموا على ما قدَّموا، وقد قدَّموا الخير الكثير، وقد قدَّموا الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله - ﵌ -.
بل إن ذلك يكون زيادة في حسناتهم؛ لأنه إذا تكلم فيهم بغير حق أضيف إليهم من حسنات المتكلم فيهم - إذا كان له حسنات - فيكون ذلك رفعة في درجاتهم، وإن لم يكن له حسنات فإنه لا يضر السحاب نبح الكلاب - كما يقولون.
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٧/ ٣٤).
[ ٩ ]
وقال الإمام الشافعي قال: «ما أرى الناس ابتُلُوا بشتم أصحاب محمّد - ﵌ - إلا لِيَزيدَهمُ الله ﷿ بذلك ثوابًا عندَ انقطاعِ عَمَلِهم» (١).
وعن عائشة - ﵂ - قالت: «أمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﵌ - فَسَبُّوهُمْ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم):
«وَأَمَّا الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر:١٠) وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَالِك فِي أَنَّهُ لَا حَقّ فِي الْفَيْء لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَة - ﵃ -، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ».
فلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة - خاصة وعامة - مثلَ معاوية - ﵁ -؟ ولمعاوية - ﵁ - فضائل كثيرة - سنذكرها إن شاء الله - ﷿ - - وبسبب ثبوت هذه الفضائل وغيرها عن السلف، فقد نهوا نهيًا شديدًا عن التكلم في معاوية - ﵁ - وبقية الصحابة - ﵃ -، وعَدّوا ذلك من الكبائر.
وكان بعض السلف يجعل حب معاوية - ﵁ - ميزانًا للسنة.
قال الربيع بن نافع: «معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله - ﵌ - فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه». (٢)
وسُئل أبوعبد الرحمن النسائي عن معاويةَ بن أبي سفيان -صاحبِ رسول الله - ﵌ - ـ، فقال: «إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار؛ فمن أراد معاويةَ فإنما أراد الصحابة» (٣).
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٨/ ١٤٦٠).
(٢) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١/ ٢٠٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٩).
(٣) ذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال (١/ ٤٥).
[ ١٠ ]
وقال الإمام عبد الله بن المبارك - ﵀ -: «معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم»، يعني الصحابة. (١)
وقد صدق في ذلك - ﵀ -، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية - ﵁ - إلا تجرأ على غيره من الصحابة - ﵃ -.وانظر هذا في أحوال الزيدية: فإنهم طعنوا في معاوية - ﵁ - ثم تجرؤوا على عثمان - ﵁ -، ثم تكلموا في أبي بكر وعمر - ﵄ - حتى صرح بعض الزيدية بكفرهما. والسبب في ذلك أن من تجرأ على معاوية - ﵁ - فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة من قلبه فيقع فيهم.
قال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافةُ معاوية جماعةً من أصحاب رسول الله - ﵌ -، لم ينتزعوا يدًا من طاعة، ولا فارقوا جماعة، وكان زيد بن ثابت يأخذ العطاء من معاوية».
وقال أيضًا: «أدركَتْ خلافةُ معاوية عدةً من أصحاب رسول الله - ﵌ -، منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمَّيْنا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله - ﵌ - تأويله.
ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم، لم ينزعوا يدًا عن مجامعة في أمة محمد - ﵌ -» (٢).
وقال البيهقي بعد أن سرد الآيات والأحاديث الموجبة لحب الصحابة جميعًا، وأن ذلك من الإيمان: «وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان، فحُبُّهم أن يَعتقد فضائلهم، ويَعترف لهم بها، ويَعرف لكل ذي حقٍّ منهم حقَّه، ولكل ذي غناءٍ في الإسلام منهم غناءَه، ولكل ذي منزلةٍ عند رسول الله - ﵌ - منزلتَه، ويَنشر محاسنهم،
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ١٣٩.
(٢) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٥٨)، ورجاله ثقات أثبات.
[ ١١ ]
ويدعو بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتِهم وهفواتِهم، ولا يتعمَّد تهجين أحد منهم بِبَثِّ ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم» (١).
وقال الميموني: «سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية».
وقال لي: «يا أبا الحسن إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله - ﵌ - بسوء فاتهمه على الإسلام» (٢).
وروى الخطيب البغدادي عن أبى زرعة الرازى - ﵀ - أنه قال:
«إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﵌ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - ﵌ - عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - ﵌ -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبْطِلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أوْلى وهم زنادقة» (٣).
ولما تكلم الموفق ابن قدامة في لمعة الاعتقاد عن الصحابة إجمالًا ختم بقوله: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين - ﵃ -».
فعلّق الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: «إنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه» (٤).
ومعاوية - ﵁ - كان من كتاب الوحي، وقد أثبت ذلك إمام الحديث أحمد بن حنبل وأمر بهجر من يجحد بتلك الحقيقة.
ولذلك لمّا سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل: «ما تقول - رحمك الله - فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف
_________________
(١) شُعَب الإيمان (٤/ ١٤٦).
(٢) الصارم المسلول (٣/ ١٠٥٨)، وأوله عند الخلال (٢/ ٤٣٢) بسند صحيح.
(٣) الكفاية في علم الرواية (ص٦٧).
(٤) شرح لمعة الاعتقاد (ص١٠٧).
[ ١٢ ]
غصْبًا؟».قال الإمام أحمد: «هذا قول سوءٍ رديء. يجانَبُون هؤلاء القوم، ولا يجالَسون، ونبيِّن أمرهم للناس» (١).
وعن إبراهيم بن ميسرة قال: «ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانًا قط إلا إنسانًا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطًا» (٢).
وما ضَرَّ معاويةَ - ﵁ - شَتْمُ مَنْ شَتَمَه؛ فإنه «ما ضر المسك عطره، أن مات من شمه الجعل» (٣).
و«لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يضير السماء نقيق الضفادع».
يا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ
وقد يلاحظ القارئ الكريم أن هناك تكرارًا لبعض الأقوال؛ والسبب في ذلك تعلقها بالموضوع الذي ذُكِرَتْ فيه، وهذا أيسر للقارئ من الإحالة على ماسبق ذكره.
وفي الختام أتقدم بالشكر لأستاذي الأستاذ الدكتور أنور السنوسي لما قام به من جهد في مراجعة هذا الكتاب، واللهَ أسأل أن يكون هذا الجهد في ميزان حسناته، وأن نكون بهذه الورقات قد وفَّينا الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - بعض حقه علينا في الدفاع عنه باعتباره أحد صحابة حبيبنا - ﵌ -، كما أسأله - ﷾ - أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه - سيدنا محمد - وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
شحاتة محمد صقر
saqrmhm@gawab.com
_________________
(١) السنة للخلال (٢/ ٤٣)، وإسناده صحيح.
(٢) تاريخ دمشق (٥٩/ ٢١١)، ومعظم النقول المتقدمة ذكرها أيضًا الحافظ ابن كثير في ترجمة معاوية - ﵁ - من كتابه البداية والنهاية (٨/ ١٣٠ - ١٣٩).
(٣) الجُعْل: دُوَيْبَّة سَوْدَاء تُدِير الْخِرَاء بِأَنْفِهَا. وَمِنْ شَأْنِه جَمْع النَّجَاسَة وَادِّخَارهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّهُ يَمُوت مِنْ رِيح الْوَرْد وَرِيح الطِّيب فَإِذَا أُعِيدَ إِلَى الرَّوْث عَاشَ. وَمِنْ عَادَته أَنْ يَحْرُس النِّيَام فَمَنْ قَامَ لِقَضَاءِ حَاجَته تَبِعَهُ وَذَلِكَ مِنْ شَهْوَته لِلْغَائِطِ لِأَنَّهُ قُوتُه.
[ ١٣ ]