أيُّها الشَّانِئُ (١) أَقْصِرْ إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ
بِابْنِ حَربٍ مَنْ كَسَيْلٍ لِصُرُوحِ الْكُفْرِ دَمَّرْ
جَيْشُهُ قَامَ يُنادِي فِي الدُّنَى: اللهُ أَكْبَرْ
بَذَلَ الْغالِي انْتِصَارًا لِلْهُدَى فِي كُلِّ مَعْبَرْ
مَجْدُ (رُومَانٍ) و(فُرْسٍ) كُلُّ ذَا وَلَّى .. تَبَخَّرْ
زَانَهُ اللهُ بِحِلْمٍ صَارَ فِي الْأَمْثَالِ يُذْكَرْ
كَاتِبُ الْوَحْيِ أَمِينٌ لِلتُّقَى وَالْعَدْلِ مُسْفِرْ
جَاءَهُ بِالْحَقِّ بُشْرَى الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ تُظْهِرْ
أَنَّهُ حَازَ الْجِنَانَ سَبْقَ مَنْ في الْيَمِّ أَبْحَرْ (٢)
كَالْمُلُوكِ فِي الْأَسِرَّةْ (٣) إِنَّ فَضْلَ اللهِ أَكْبَرْ
_________________
(١) الشانئ: المبغِض.
(٢) قال - ﵌ -: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا». (رواه البخاري). (قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة. وفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة - ﵁ - لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ.
(٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - عَنْ أُمِّ حَرَامٍ - ﵂ - وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ - ﵌ - يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: «مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟»، قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ».فَقُلْتُ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ». قَالَتْ: «ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقُلْتُ: «ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ». فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. (رواه البخاري ومسلم). قَوْله (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة): أي رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة، وَرُؤْيَاهُ - ﵌ - وَحْي، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة: ﴿عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ومعاوية - ﵁ - مِن أولى الناس بهذا الفضلُ العظيم، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (١/ ٢٣٥): «وفيه فضلٌ لمعاوية - ﵀ -، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين».
[ ١٤ ]
وَلَهُ يُدْعَى بِحِفْظٍ مِنْ لَظَى - نَارٍ تُسَعَّرْ (١)
وَدُعَاءٍ بِاهْتِدَاءٍ وَالْهُدَى فِي النَّاسِ يَنْشُرْ (٢)
أَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ
عِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ
هل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ
هَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ
أَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ (٣) ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ
أَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ (٤) دَاسَهُ الْغازِي الْمُظَفَّرْ
شَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ
لَيْتَ هَذَا العزَّ فِينَا إِنَّنِي كَمْ أَتَحَسَّرْ
_________________
(١) ثَبَتَ أن النبيَّ - ﵌ - دعا لمعاوية فقال: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ والْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني).
(٢) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - ﵁ - - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني). (هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.
(٣) قِران: مقارنة.
(٤) تُرْب: تراب.
[ ١٥ ]
أيْنَ هَذَا مِنْ قُرَانَا سَاسَهَا كِسْرَى وَقَيْصَرْ
ظُلْمُ (أَمْرِيكَا) وَ(رُوسْيَا) وَجْهُ مَنْ بِالْكُفْرِ أَسْفَرْ
جَرْحُ (شِيشَانٍ) وَ(بُورْمَا) جَرْحُ أَفْغَانَ الْمُسَعَّرْ
جَرْحُ أَقْصَانَا سَجِينًا جَرْحُ صُومَالَ الْمُفَغَّرْ (١)
جَرْحُ غَزَةَ قَدْ دَهَانَا جَرْحُ بَغْدَادَ تَفَجَّرْ
أَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ
إِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ
_________________
(١) المفَغَّر: المتسع.
[ ١٦ ]