رُوِيَ عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رجلًا من أهل مصر أتى إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: «يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم».
قال: «عُذْتَ بمعاذ».
قال: «سابقتُ ابنَ عمرو بن العاص فسبقتُه، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين».
فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويَقْدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب.
فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: «اضرب ابن الألْيَمَيْن».
قال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: «ضع على صلعة عمرو».
فقال: «يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذى ضربني، وقد اشتفيت منه».
فقال عمر لعمرو: «مُذْ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
قال: «يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني».
[ ٢٩ ]
هذه القصة الموضوعة رواها ابن عبد الحكم في (فتوح مصر وأخبارها ص٢٩٠، وأوردها محمد يوسف الكاندهلوي في (حياة الصحابة ٢/ ٨٨، باب عدل النبي وأصحابه). وقد استدل بها على عدل عمر - ﵁ -.
وقد ذكرها أحد الدعاة - حفظه الله - في أحد دروسه على إحدى القنوات الفضائية مستدلًا على عدل الفاروق عمر - ﵁ -.
وقد بيَّن الشيخ علي حشيش في مجلة التوحيد عدد شعبان ١٤٢٢هـ أن هذه القصة واهية وسندها منقطع ومظلم.
ويظهر هذا الانقطاع في السند، حيث قال ابن عبد الحكم فى (فتوح مصر ص ٢٩٠): «حُدِّثْنا عن أبى عبدة عن ثابت البُنانى وحُمَيْد عن أنس » ثم ذكر القصة.
ولفظ الأداء فى رواية ابن عبد الحكم للقصة مبنى للمجهول، وبهذا لم يُعرَف مَن الشيخ الذي أخذ عنه وتلقى عنه القصة. وترتب عليه عدم معرفة أبى عبدة الذي روى عنه هذا المجهول وأصبح السند مظلمًا بهذه الجهالة.
وهذه القصة لو دققت فيها لوجدت طعنًا في عمرو بن العاص - ﵁ - حيث اتهامه باستغلال ابنه لنفوذ أبيه في ظلم الرعية.
وفيها طعن في عمر بن الخطاب - ﵁ - بمخالفة الكتاب والسنة؛ إذ ورد في القصة قول عمر للمصرى: «ضع السوط على صلعة عمرو».
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء:١٥).
قال ابن كثير: «أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جَانٍ إلا على نفسه» (١).
وقال القرطبى: «أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها» (٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٤).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٦٧٦).
[ ٣٠ ]
وفى هذه القصة يُنْسب إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال للمصري وهو يضرب ابن عمرو بن العاص: «اضرب ابن الألْيَمين». يعنى الألْأمين، وهذا اللفظ أشد من لفظ (لئيم) لأن هناك اللئيم والألْأم، ولفظ (اللئيم) معناه: «الدنيء الأصل الشحيح النفس» (١) والتعيير بالأصل لا يجوز؛ لأنه من أمور الجاهلية.