المطلب الأولى: القائلون بأن أسماء الله غيرمحصورة بعدد معين نعلمه
انقسم الناس في مسألة عدد أسماء الله الحسنى إلى فريقين.
الفريق الأول: يقولون: إن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل١، وهذا هو الصواب وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها، وهو قول جمهور العلماء ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره٢.
أدلتهم:
مما احتح به الجمهور لقولهم في هذه المسألة ما يلي:
ا- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولاحزن فقال اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنرلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا" قالوا: يا رسول الله أفلا تتعلمهن قال: "بلى، ينبغي لمن يسمعهن أن
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٦ ٢ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٨٢
[ ٦٣ ]
يتعلمهن"١.
والشاهد من هذا الحديث قوله: "أو استأثزت به في علم الغيب عندك" فهودليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره٢.
ففي هذا الحديث جعل أسماءه ثلاثة أقسام٣:
١- قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ٤٥٢، وابن حبان (انظر: موارد الطمآن ح ٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ٩ ٥ ١،، والطبراني في الكبير (ح ٥٣٥٢ ١) . ٢ شفاء العليل ص ٢٧٧. ٣ قال ابن القيم ﵀: (وقوله: "أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " إن كانت الرواية محفوظة هكذا ففيها إشكال، فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده قسيما لما سمى به نفسه، ومعلوم أن هذا تقسيم وتفصيل لما سمى به نفسه، فوجه الكلام أن يقال سميت به نفسك فأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام تفصيل لما سمى به نفسه، وجواب هذا الإشكال: أن "أو" حرف عطف والمعطوف بها أخص مما قبله فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عطفا كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام. فإن قيل المعهود من عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف. قيل المسوغ لذلك في الواو هو تخصيص المعطوف بالذكر لمرتبته من بين الجنس واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره، أو إرادة لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو مع أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما بني عليه تاما، فيقال سميت به نفسك فإما أنزلته في كتابك وأما علمته أحدا من خلقك) . شفاء العليل ص ٢٧٦.
[ ٦٤ ]
٢- وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.
٣- وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه. ولهذا قال: "استأثرت به " أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به، لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه١.
وقال الخطابي عند هذا الحديث: (فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها
في كتابه حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم) ٢.
وقال ابن كثير: (ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصزة في تسعة وتسعين) ٣، واستدل لذلك بهذا الحديث.
٢- ومما يستدل به ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده:
"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"٤.
والشاهد من الحديث هو قوله: "لا أحصي ثناء عليك".
وأما عن وجه الاستشهاد فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأخبر أنه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمأنه) ٥.
٣- ويستدل كذلك بقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فيفتح علي من
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/ ١٦٦. ٢ كتاب شأن الدعاء ص ٢٤ ٣ تفسير ابن كثير ٢٦٩/٢ ٤ أخرجه مسلم في صحيحه ٥١/٢، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع ٥ درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٣٢، ٣٣٣
[ ٦٥ ]
محامده بما لا أحسنه الآن"١
قال ابن القيم ﵀: (وتلك المحامد هي تفي بأسمأنه وصفاته)
٤- أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإن قيل لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين) ٣.
وقال محمد بن المرتضى اليماني: (وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي (أي التسعة والتسعون) بالضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك) ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب "ذرية من حملنا مع نوح"، ولفظه "ثم يفتح الله علي من محامد وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي" انتهى. وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان ١٢٧/١ ٢ بدائع الفوائد ١/ ١٦١ ٣ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٨٢ ٤ إيثار الحق على الخلق ص ١٦٩.
[ ٦٦ ]