المبحث الأول التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة
أولًا: التعريف بالسلف:
أ- معنى السلف لغة:
(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف الجماعة المتقدمون) ١.
قال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون) ٢.
ب- المقصود بالسلف الصالح:
(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:
ا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.
٢- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.
٣- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين٣.
والقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ
_________________
(١) ١ لسان العرب ٩/١٥٨ ٢ معجم مقاييس اللغة ٣/٩٥ مادة "سلف" ٣ وسطية أهل السنة بين الفرق د. محمد باكريم ص٩٢-٩٤، وكتاب لزوم الجماعة ص ٢٧٦-٢٧٧ تأليف جمال بادي.
[ ٤٧ ]
بالخيرية، حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، متفق عليه١، فالسلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.
وكل من سلك سبيلهم وسار على نهجهم فهو سلفي نسبة إليهم.
والسلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المفضلة من بعده والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٢.
فيصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل من حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.
ج- قواعد المنهج السلفي:
يمكن حصر ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:
أولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.
ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:
أ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه.
ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ١١/٤٦٠، ومسلم ٧/١٨٤، ١٨٥ ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣ ٣ بيان فضل السلف على الخلف لابن رجب ص ١٥٠-١٥٢، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٩-١٠
[ ٤٨ ]
ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكا وقولًا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النهج السلفي بإذن الله.
د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:
أولًا: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
فرضي ﷿ عن السابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.
فتوعد الله من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
ا- قوله ﷺ: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٣.
فهذه "الخيرية" التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسعة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم
_________________
(١) ١ الآية ١٠٠ من سورة التوبة ٢ الآية ١١٥ من سورة النساء ٣ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ٧/٦، ١١/٤٦٠، وأخرجه مسلم ٧/١٨٤، ١٨٥
[ ٤٩ ]
بسنة رسوله ﷺ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.
٢- قوله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ حديث صحيح مشهور.
٣- قوله ﷺ: " فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢.
فحث ﷺ بأن يتبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.
ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا" ٣.
وعنه ﵁ قال: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا،
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي ٢٦٤٠، ٢٦٤١، والإمام أحمد ٢/٣٣٢، ٣/١٢٠، ١٤٥، ٤/١٢٠، وابن ماجه ٣٩٩١-٣٩٩٣ ٢ أخرجه الإمام أحمد ٤/١٢٦، ١٢٧، وأبو داود ٤٦٠٧، والترمذي ٢٦٧٦، والدارمي ١/٤٤، وغيرهم ٣ الزهد لابن المبارك ص ٢٨١ ح ٨١٥
[ ٥٠ ]
وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"١.
وعنه ﵁ قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"٢.
وعنه ﵁ قال: " اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم"٣.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا"٤.
وقال مجاهد: "العلماء أصحاب محمد ﷺ"٥.
وقال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، فما كان غير ذلك فليس بعلم"، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله٦.
وقال أيضًا: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"٧.
وكان الحسن البصري في مجلس فذكر أصحاب محمد ﷺ فقال: "إنهم
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله ٢/٨٧ ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ح١١٥) ٣ البدع والنهي عنها لابن وضاح ص١٣ ٤جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٥ جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٦ جامع بيان العلم ٢/٢٩ ٧ الشريعة للآجري ص ٥٨
[ ٥١ ]
كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم١.
وقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟
قال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة٢.
وقال الأوزاعي: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵃ أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليست مسلما إلى عالم واحد
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم ٢/٩٧ ٢ صون المنطق للسيوطي ٣٢٢ ٣ المدخل إلى السنن للبيهقي رقم ٢٣٣
[ ٥٢ ]
وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولابد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل"١.
ثانيا: التعريف بأهل السنة:
يستعمل العلماء تارة مسمى "أهل السنة والجماعة" بدلًا من عبارة "السلف".
وهذه العبارة وردت في استعمال العلماء لمعنيين هما:
أ- المعنى الأخص:
وهو بعينه مدلول لفظة السلف، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم من أئمة الهدى ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين.
فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء.
فالسنة هنا في مقابل البدعة.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٥/٢٦٢-٢٦٣
[ ٥٣ ]
والجماعة هنا في مقابل الفرقة.
فعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ١ قالت: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"٢.
وهذا المعنى هو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة. والنهي عن التفرق.
وهذا المعنى وإن كان أخص من جهة معناه لكنه هو الأكثر ورودًا واستعمالًا في كلام العلماء.
٢- المعنى الأعم:
والذي يدخل فيه بعض طوائف المبتدعة في حالة موافقة قولهم لقول السلف في مسألة بعينها في مقابلة طائفة بعينها.
وهذا المعنى أقل استعمالًا لتقيده بشروط معينة هي:
ا- كونه في مسائل اعتقادية معينة.
٢- كونه في مقابل طوائف معينة.
مثاله: استعمال هذا المسمى في مقابل الرافضة في مسألتي "الخلافة" و"الصحابة".
فيقال هنا: المنتسبون للإسلام قسمان:
ا- أهل السنة.
٢- الرافضة.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٦ من سورة آل عمران ٢ تفسير ابن كثير ١/٣٩٠
[ ٥٤ ]
فيدخل هنا مع أهل السنة بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة وغيرهم، وقد أدخلوا هنا لموافقة قولهم لقول السلف في مسألتي " الخلافة" و" الصحابة" لما حصل فيهما النزاع مع الرافضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلفظ (أهل السنة) يراد به:
ا- من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.
٢- وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: (إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة) "١.
وقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذين القسمين بتسمية:
أهل القسم الأول: بأهل "السنة العامة" وهو كل ما ليس برافضي٢.
وأهل القسم الثاني: بأهل " السنة الخاصة" أي أهل الحديث.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٢/٢٢١، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود ٢ قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أنهم (أي الروافض) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه: لست رافضيا.." مجموع الفتاوى ٣/٣٥٦
[ ٥٥ ]