المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، تتقدم أحكامها، فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، فمن حكم على أمر من الأمور- قبل أن يحيط علمه بتفسيره، وبتصوره تصورًا يميزه عن غيره- أخطأ خطأً فاحشًا١.
توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها.
شرح مفردات التعريف:
أولًا: "إفراد الله":
هذا معنى كلمة "التوحيد"، فأصل هذه الكلمة من "وحد" فيقال: وحد يوحد توحيدًا: أي جعله واحدًا.
ومادة "وحد" في اللغة مدارها على انفراد الشيء.
فإذا قلت: توحيد الله بأسمائه: فالمعنى إفراد الله بأسمائه.
ثانيًا: بأسمائه الحسنى
بأسمائه: الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع لمعنًى تعيينًا أو تمييزًا.
أو الاسم: ما دل على الذات وما قام بها من الصفات.
ومن أسماء الله تعالى: الله- الرحمن- الرحيم- الغفور- العزيز- القدير- السميع- البصير- الباري
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧
[ ٢٩ ]
الحسنى": هذا وصف لأسماء الله، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم.
ا- المواضع التي ورد فيها:
ورد هذا الوصف لأسماء الله ﷿ في أربعة مواضع من كتاب الله ﷿، وهذه المواضع هي:
أ- قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف ١٨٠.
ب- قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الإسراء ١١٠.
ج- قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ طه ٨.
د- قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر ٢٤.
٢- تصريفها: حُسنَى على وزن "فُعلَى" تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطيء من يقول إنها تأنيث حسن، لأن تأنيث "حسن" "حسنة"، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصَّواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى كما وصفها الله بذلك.
٣- معناها: معنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي البالغة في الحسن غايته.
المعنى العام للآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
٥- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بهذا الوصف الذي أخبر الله به عن أسمائه وذلك بالاعتقاد الجازم أن أسماء الله هي أحسن الأسماء وأتمها وأكملها معنى، وفي هذا الوصف أحكام أخرى مستفاد سيأتي الكلام عنها
[ ٣٠ ]
بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعقلة بأسماء الله الحسنى.
ثالثًا: "وصفاته العلى":
وصفاته ": الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية أو معنوية أو فعلية.
ومن صفات الله ﷿:
الذاتية: اليدان- الوجه- العينان- الأصابع.
المعنوية: العلم- القدرة- الحياة- الإرادة.
الفعلية: النزول- الاستواء- الخلق- الرزق.
العلى": هذا الوصف جاء ذكره في نص القرآن العظيم.
ا- المواضع: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النحل ٦٠.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم ٢٧.
وفي القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على كمال صفات الله، سيأتي الكلام عنها بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعلقة بصفات الله.
٢- تصريفها: "الأعلى" صيغة أفعل التَّفضيل، أي أعلى من غيره١.
٣- معنى الآية: قال القرطبي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الوصف الأعلى٢.
وقال ابن كثير: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الكمال المطلق من كل وجه٣.
وقال ابن سعدي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة ٣/١٠٣٠ ٢ تفسير القرطبي ١٠/١١٩ ٣ تفسير ابن كثير ٢/٥٧٣
[ ٣١ ]
في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه١.
٤- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو سبحانه المستحق للكمال المطلق من جميع الوجوه.
قال الإمام ابن القيم: "المثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها "٢.
رابعًا: " الواردة في القرآن والسنة ":
أي يجب الوقوف في أسماء الله وصفاته على ما جاءت به نصوص القرآن والسنة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه.
فلا نسمي أو نصف الله بما لم يسم أو يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا من طريق واحد هو طريق الخبر- أي الكتاب والسنة-.
فلو قال شخص: لله سمع بلا أذنين.
وقال آخر: لله سمع بأذنين.
لحكمنا بخطأ الاثنين، لأنه لم يأت ذكر الأذنين في النصوص لا نفيًا ولا إثباتًا، والحق هو أن يقال: لله سمع يليق بجلاله كما جاءت بذلك النصوص،
_________________
(١) ١ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٤/١٠٤ ٢ الصواعق المرسلة ٣/١٠٣٤ بتصرف
[ ٣٢ ]
وقد نهانا الله أن نتكلم بغير علم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١ وبالتالي لا يجوز الإثبات أو النفي إلا بالنص.
قال الإمام أحمد (ت ٢٤١) ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة "٢.
وقال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) ﵀: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه "٣.
خامسًا: "والإيمان بمعانيها وأحكامها":
أي الإيمان بما تضمنته من المعاني وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام. وهذا ما جاء الأمر به والحث عليه في القرآن والسنة.
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤، والشاهد
من الآية قوله: "فادعوه بها".
ووجه الاستشهاد: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:
دعاء المسألة٥: كقولك: ربي ارزقني.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة الإسراء ٢ الفتوى الحموية ص٦١، دار فجر التراث ٣ جامع بيان العلم وفضله ص٩٦ ٤ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف ٥ دعاء المسألة: ما كان فيه طلب جلب نفع أو دفع مضرة
[ ٣٣ ]
ودعاء الثناء١: كقولك: سبحان الله.
ودعاء التعبد٢: كالركوع والسجود٣.
ومن السنة: قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" متفق عليه٤.
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ: "من أحصاها".
ووجه الاستشهاد: أن معنى أحصاها: أي حفظها ألفاظًا، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.
فالعلم بأسماء الله وصفاته واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضًا.
فأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه.
فأهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه "الصفة" فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:
_________________
(١) ١ دعاء الثناء: ما كان فيه التمجيد والثناء على الله، وخلا من السؤال ٢ دعاء التعبد: الحركات التعبدية كالصلاة فهي الدعاء ٣ مدارج السالكين ١/٤٢٠ ٤ أخرجه البخاري في صحيحه. انظر: فتح الباري ١٣/٣٧٧، ح ٧٣٩٢، وأخرجه مسلم في صحيحه (٨/٦٣)
[ ٣٤ ]
أولًا: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
ثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي "الصفة".
ثالثًا: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.
مثال ذلك: "السميع".
اسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:
ا- إثبات اسم "السميع" باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى.
٢- إثبات "السمع" صفة له.
٣- إثبات الحكم "أي الفعل" وهو أن الله يسمع السر والنجوى.
وإثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء
منه ﷿.
قال ابن القيم ﵀: "كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به علمًا ومعرفةً وحالًا:
علمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.
وحالًا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه"١.
وكذلك الشأن في صفات الله ﷿، فلابد من الإيمان بمعانيها وأحكامها، فهذه عقيدة أهل السنة، بخلاف عقيدة المعطلة الذين نفوا ما دلت عليه تلك الصفات من المعاني، وتلاعبوا بتلك المعاني فحرفوها وبدلوها.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٤٢٠
[ ٣٥ ]
فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة- أن يراعي الأمور التالية:
أ- إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.
٢- أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه "أعراضا".
ويسمون وجهه ويديه وقدمه " جوارح وأبعاضا ".
ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه "تحيزًا".
٣- عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
٤- اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: "بلا كيف ": أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك١.
٥- تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها- أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها- فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية " التوكل".
وعلم العبد بجلاله الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٣/٣٥٨-٣٥٨ بتصرف يسير
[ ٣٦ ]