قال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عن الحديث السابق: "إنما أراد ألا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله" (^٣).
وقال أيضًا: "لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى" (^٤).
وقال أيضًا: "ولا يلزم تخطئة أبي بكر الصِّدِّيق، فإن الصِّدِّيقَ قد يعتقد عند النبي - ﷺ - في دفع ذلك المنافق بعضَ الأمور التي يقدر عليها البشر، فَبَيَّن له النبي - ﷺ - أنه ليس عنده في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤).
(٢) مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٩، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الكبير، قال الهيثمي في المجتمع: "رجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث"، وقال أيضًا: "رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمَّ وابن لهيعة". والحديث عند الإمام أحمد في المسند (٢٣٠٨٢) بلفظ: "لا يقام لي، إنما يقام لله ﵎". قال ابن تيمية: "هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، ثم ذكر أن هذا الخبر من النوع الذي يصلح للاعتضاد. انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ١٥٣، كما أنه - أي ابن تيمية - احتج به في مواضع من فتاويه. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٠١، ١١٠، ٣٠٣، ٣٢٩.
(٣) الرد على البكري ص ٢٠٣، الفتاوى ١/ ١١٠.
(٤) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ٢٠١.
(٥) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ١٩٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والظاهر أن مراده - ﷺ - إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ لأن استغاثتهم به - ﷺ - من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه - ﷺ - لجناب التوحيد" (^١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "قوله لا يستغاث بي يحتمل أمرين:
الأول: أن النبي - ﷺ - لا يستطيع قتله لأنه كان ممنوعًا من قتله؛ لأجل أن لا يتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابه فامتنع عن قتله.
الثاني: يحتمل - إن صح الخبر - أنه قاله سدًا للذريعة وإن كان قادرًا على التخلص منه حتى لا تقع منهم هذه الكلمة في أمور لا يقدر عليها" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله (إنه لا يستغاث بي) ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.
فعلى الأولى: يكون نفي الاستغاثة هنا من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول - ﷺ - ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه" (^٣).