قال الشيخ عبد الله بن جبرين: "والمراد العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين وما تستلزمه كل منهما من العمل، وضد العلم الجهل، وهو الذي أوقع المشركين من هذه الأمة في مخالفة معناها، حيث جهلوا معنى الإله، ومدلول النفي والإثبات، وفاتهم أن القصد من هذه الكلمة معناها، وهو الذي خالفه المشركون العالمون بما تدل عليه، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]
[ ١ / ٢٤ ]
وقالوا: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦] " (^١).
وللتوضيح فإن قولهم: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا يتضمن شطرها الأول نفي العبادة عما سوى الله ﷿، كما يتضمن شطرها الثاني إثباتها له ﷾ فكما أن الحق جل وعز لا شريك له في ملكه وخلقه وتدبيره فإنه لا شريك له في عبادته. فلا بد من العلم بمعناها؛ لأن التلفظ بها دون معرفة معناها ومقتضاها لا ينفع صاحبها كالذي يتكلم بلغة لا يفهمها، ودل على هذا الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾
[محمد:١٩].
وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
قال البغوي: "أراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم" (^٢).
وفي الصحيح عن عثمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله تعالى: "من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة والإجماع" (^٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل
_________________
(١) كتاب الشهادتان لابن جبرين ص ٧٩.
(٢) تفسير البغوي معالم التنزيل ٧/ ٢٢٤.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦).
(٤) نقلًا عن التنبيهات السنية ص ٨.
[ ١ / ٢٥ ]
بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع" (^١).
وقال ﵀: "ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم، ولم يفعل شيئًا من الشرك، فإنه لا يشك أحدٌ في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب "الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية، ثم قال شارحه: "وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان". انتهى. ولا ريب أن عُبَّاد القبور أشد من هذا؛ لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين" (^٢).
وقال ابن سعدي ﵀: "العلم لابد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه.
وهذا العلم، الذي أمر الله به - وهو العلم بتوحيد الله - فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطرٌ إلى ذلك.
والطريق إلى العلم بأنه - لا إله إلا الله - أمور:
أحدها: بل أعظمها تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله، وعظمته وجلاله، فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل، الذي له كل حمد ومجد، وجلال وجمال.
الثاني: العلم بأنه تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المفرد بالألوهية.
الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب به، ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٧٤، فتح المجيد ص ٦٥.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٨١، ٨٢.
[ ١ / ٢٦ ]
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر، والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داعٍ إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير، أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.
السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه.
السابع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا، ورأيًا وصوابًا وعلمًا - وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون - قد شهدوا الله بذلك.
الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه" (^١).