فالأول والثاني: الاستعاذة بالله وبصفة من صفاته ككلامه وعظمته وعزته فهذا أمر مطلوب رغَّب فيه الشارع.
الثالث: الاستعاذة بالحي الحاضر القادر وهذه جائزة.
الرابع: الاستعاذة بالأموات والغائبين فهذا شرك والعياذ بالله (^٣).
الخامس: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فإنه شرك والعياذ بالله.
* بعض العلماء قال: إن الاستعاذة عبادة خاصة بالله يجوز صرفها للمخلوق مطلقًا. قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة" (^٤). وقد تقدم أن هذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٨٩).
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٥٧.
(٣) ينظر للاستزادة شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين من مجموع الفتاوى ٦/ ٥٩ - ٦٠.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٩٧.
[ ١ / ٩٥ ]
وكذلك قال البخاري في خلق أفعال العباد (^١)؛ ودليلهم أن الاستعاذة عبادة وذكر بعض العلماء الإجماع على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله (^٢)، فإن كان المراد من كلامهم منع الاستعاذة بالمخلوق مطلقًا. فالصحيح ما تقدم من جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، أما ما ذكر من إجماع العلماء فمحمول على أن يفعل على وجه التعبد أو أن يكون المستعاذ منه لا يقدر على دفعه إلا الله، أو أن تكون الاستعاذة بأصحاب القبور ونحوه (^٣). ولكن يراعى ما يقوم في قلب العبد من الاضطرار لهذا المستعاذ به وتعلق قلبه به، قال الشيخ ابن عثيمين: "لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا لله" (^٤).
قال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "لكن هل مقصوده بقوله: "باب من الشرك الاستعاذة بغير الله" (^٥) شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك، لكل أنواع الاستعاذة، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق؟ والجواب: أن هذا فيه تفصيل، فمن العلماء من يقول: الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، وليس ثم استعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن الاستعاذة توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، وهذه المعاني جميعًا لا تصلح إلا لله - جل وعلا -.
وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو: أن يستعيذ من شر أحْدَقَ به،
_________________
(١) خلق أفعال العباد ص ٨٩.
(٢) فتح المجيد ص ١٨٨.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩، ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٣٣٠. وانظر للاستزادة: الاقتضاء ٢/ ٧٩٧، ومجموع فتاوى ابنِ تَيمِيَّةَ ١/ ٣٣٦، وقرة عيون الموحدين ص ٨١.
(٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٠.
(٥) يقصد به الباب الثالث عشر من كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -.
[ ١ / ٩٦ ]
وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئًا من ذلك، وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركًا أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طُلِبتْ منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والذي يظهر أن المقام - كما سبق - فيه تفصيل، وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها - أيضًا - عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه.
فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يُقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منهما ما هو عملي قلبي - كما تقدم - وهو - بالإجماع - لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر - فقط - وهو طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها" (^١).