المراد من هذا الباب أن الإنسان أراد بعمله الذي شرع للآخرة طمع الدنيا كأن يجاهد من أجل المغنم أو يتعلم من أجل الرئاسة والوظيفة، أو يحج من أجل المال.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "تِعسَ (^١) عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ (^٢)، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ (^٣)، تعس
_________________
(١) * تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٩. فتح المجيد ص ٤٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٦٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٨ - ٣٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٤١، ط ٢ - ٢/ ٢٩٣ ومن المجموع ١٠/ ٧١٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٨٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٧، ٢٠٩.
(٢) دعاء بالهلاك.
(٣) ثوب خز وصوف معلم. وهذه أمثلة لمن أراد عرض الدنيا وليست مُقتصرة على الأمور المذكورة في الحديث.
(٤) قال شيخ الإسلام - ﵀ - (وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال. وقد صف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط كما: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة، أو نحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده، فهو عبده) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٤.
[ ١ / ٧٣ ]
وَانتكَسَ (^١)، وَإِذا شيكَ فَلا انتَقَشَ (^٢)، طُوبَى (^٣) لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذنَ لَمْ يُؤْذنْ لَه، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ" (^٤).
عن أبي كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بشر هذه الأمة بالسناء (^٥) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (^٦).
وعن زيد بن ثابت - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "من كانت الدنيا همه فرَّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الدنيا الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (^٧).
وعن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي له العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار" (^٨).