قال الليث: "العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه" (^١).
والعيد شرعًا: قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان كقول النبي - ﷺ - في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا"، والاجتماع والأعمال كقول ابن عَبَّاسٍ: "شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ -"، والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا".
وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب كقول النبي
_________________
(١) * شرحُ السُّنَّةِ للبَغوي ١٢/ ٥١٣ - ٥٢٥. أحكام القرآن القرطبي ٦/ ٣٦٨. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٢٥ - ٤٨٨. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٠ الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤١٥. شفاء الصدور ص ٦١، ٦٠. تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٠ - ٣٥٢. فتح المجيد ص ١٧٧ - ٢٩١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٠٥ - ١٧١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٥٧، ط ٢ - ١/ ٣٠٥، ٤٩١، ٥٨٠ ومن المجموع ٩/ ٤٤٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٥٩ - ٣/ ٥٩٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٨٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٣، ٢٩٥، ٧/ ١٩٨، ٢٠٧. الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٣٦. شرح مسائل الجاهلية ص ١٢٩. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٤٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٦. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٣٠.
(٢) تهذيب اللغة للأزهري ٣/ ١٣١.
[ ١ / ٤٠ ]
- ﷺ - لأبي بكر: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا"" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان.
فأما الزمان، فكقوله - ﷺ -: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام" (^٢).
وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: "أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ " قالا: لا. قال: "فأوف بنذرك" (^٣). وكقوله: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (^٤).
والعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا.
وكان للمشركين أعيادٌ زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله - ﷺ - في سيد القبور، منبها به على غيره" (^٥).
* الدليل من السنة: عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةً كانت عِنْدَ قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم عن جدي عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا فإن
_________________
(١) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٠، ٢٠١.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، وأحمد (١٧٥١٤)، والترمذي (٧٧٣) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٨٧٩٠).
(٥) إغاثة اللهفان ١/ ١١٩٠، ١٩١.
[ ١ / ٤١ ]
تسليمكم يبْلُغُنِي أينما كنتم" (^١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حيث كنتم" (^٢).
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "ووجه الدلالة أن قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور (^٣)، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عِنْدَ القبور. عكس ما يفعله المشركون من النصارى وأشباههم قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين - ﵃ -، نهى ذلك الرجل أن يتحرَّى الدعاءَ عِنْدَ قبره - ﷺ -، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي - ﵁ -. وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضُّلَّال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله - ﷺ - قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ضياء الدين المقدسي في المختارة (٤٢٨) وأبو يعلى في مسنده (٤٦٩) وابن أبي شيبة (١١٨١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٨٧٩٠).
(٣) هذا هو المعنى الأول. والمعنى الثاني: لا تدفنوا فيها موتاكم، وكلا المعنيين حق ولا يرِدُ عليه دفن الرسول - ﷺ - في بيته فإنه خاص به وبصاحبيه؛ لأن النبي - ﷺ - كان دائما يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" خرجه مسلم في صحيحه (٢٣٨٩). وروى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما وقال: "هكذا نبعث يوم القيامة". سنن الترمذي (٣٦٦٩)، وقال: هذا حديث غريب.
(٤) هذا الكلام نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذُه الإمامُ ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/ ١٩٢، ١٩٣.
[ ١ / ٤٢ ]