قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها" (^٣).
قال الشوكاني: "ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه" (^٤).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: "الاستعانة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه جائزة" (^٥)، "ويمكن الاستعانة بالأحياء من الناس في حدود الأسباب العادية ببذل مال أو شفاعة عِنْدَ ذي سلطان مثلًا، أو إنقاذ من مكروه ونحو ذلك من الوسائل التي هي من طاقة البشر حسب ما هو معتاد ومعروف بينهم، أما ما كان فوق قوى البشر من الأسباب غير العادية فليس ذلك إلى العباد بل هو إلى الله وحده لا شريك له" (^٦). وجاء فيها أيضًا: "فالاستعانة بغير الله فيما هو من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٧٠، ٧١.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٧٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٠٢، ١٠٣.
(٤) الدر النضيد ١٤.
(٥) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٤.
(٦) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٠.
[ ١ / ١٠١ ]
اختصاص الله تعالى نوع من الشرك الأكبر الذي يخرج من فعله من ملة الإسلام وكذا الاستعانة بالأموات أو الاستعانة بالغائبين عن نظر من استعان بهم من ملائكة أو جن أو إنس في جلب نفع أو دفع ضر نوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله إلا لمن تاب منه؛ لأن هذا النوع من الاستعانة قربة وعبادة وهي لا تجوز إلا لله خالصة لوجهه الكريم" (^١).
وجاء أيضًا: "إن الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات من الإضرار بأحد أو نفعه شرك في العبادة؛ لأنه نوع من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته" (^٢).
وجاء في موضع آخر من فتاوى اللجنة: "إن الاستعانة بالجن والملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله" (^٣).
وقد لخص الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - أحكام الاستعانة فقال: "هي أنواع:
الأول: الاستعانة بالله وهي: الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته وهذه لا تكون إلا لله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ووجه الاختصاص أن الله تعالى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ وقاعدة اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تعالى شركا مخرجا عن الملة.
الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه، فهذه على حسب المستعان عليه فإن كانت على بر فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا
_________________
(١) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٣.
(٢) فتاوى اللجنة ١/ ٩٦.
(٣) فتاوى اللجنة ١/ ٧٥.
[ ١ / ١٠٢ ]
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وإن كانت على إثم فهي حرام على المستعين والمعين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وإن كانت على مباح فهي جائزة للمستعين والمعين لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير ومن ثم تكون في حقه مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر فهذه لغو لا طائل تحتها مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.
الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون.
الخامس: الاستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] " (^١).