الاستغاثة أخص أنواع العبادة، فإخلاصها لله إيمان وتوحيد، أما الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك وكفر (^٤).
وقد تقدم في باب الاستعاذة أن جميع أنوع العبادات لا تصرف لغير الله، فمن
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٤٣.
(٢) من دروس الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٦٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٧٩.
(٤) انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ٢٤٦، ٢٦٥، القول السديد ص ٥١، ٥٢.
[ ١ / ١٠٦ ]
صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والاستغاثة من نوع الدعاء والطلب؛ لأن فيها طلب الغوث أي الدعاء المشتمل على ذلك فهي من أهم أنواع العبادات.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فالاستغاثة المنفية نوعان:
أحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء.
الثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره" (^١).
وقال الشوكاني ﵀: "ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور ولايحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح وما أظنه يوجد فيه خلاف" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "والاستغاثة الشركية التي أنكرناها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر" (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الاستغاثة أقسام:
الأول: الاستغاثة بالله ﷿ وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ (^٤) ﵀ قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي - ﷺ - إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فدخل العريش يناشد ربه ﷿ رافعًا يديه مستقبل القبلة يقول: "اللهم أنجز لي
_________________
(١) كتاب الاستغاثة في الرد على البكري ص ٣٥٩. وانظر الفتاوى ١/ ٣٢٩.
(٢) الدر النضيد ص ٩.
(٣) شرح كشف الشبهات ص ١١٩.
(٤) يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
[ ١ / ١٠٧ ]
ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". وما زال يستغيث بربه رافعًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر - ﵁ - رداءه فألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله هذه الآية (^١).
الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى﴾ [القصص: ١٥].
الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة" (^٢).
وعلى هذا فإن الاستغاثة بالمخلوق على قسمين:
الأول: الاستغاثة بالأموات والغائبين، أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله كالذي يستغيث عِنْدَ المرض أو خوف الغرق بالرسول أو البدوي فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. قال الشيخ ابن قاسم: "وقد تبين من الآيات والأحاديث أن دعاء
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى ٦/ ٦٠، ٦١.
[ ١ / ١٠٨ ]
الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواعه" (^١).
الثاني: الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، وهي جائزة. وعليه يحمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: "وإذا طلبت من أحد غوثًا وهو قادر عليه فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد" (^٢).