تقدم النهي عن ذلك في قول رسول الله - ﷺ -: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (^٢).
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "وكره مالك وغيره من أهل العلم (^٣) لأهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام فما علمتُ أحدًا رخَّص به؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه قد شرع لنا إذا دخلنا للمسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. قال: فخاف مالكٌ وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا، وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - يجيئون إلى المسجد كل يوم لعلمهم - ﵁ - بما كان النبي - ﷺ - يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٣، ١٩٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢). وأحمد (٨٧٩٠). وفي قوله ﵇: "فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" قال ابنُ تَيمِيةَ: "يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا" إغاثة اللهفان ١/ ١٩٢ ..
(٣) انظر: الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض ٢/ ٧٩، الرد على الأخنائي ٢٤، ١٥٠ - ١٥١ - ٢١٨ - ٢١٧ - ١٥٦، كتاب أحكام الجنائز ص ٢٦٥ برقم (٢٠٤٢).
[ ١ / ٤٤ ]
إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره، ولهذا كرهت الأمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه" (^١).
وقال الألباني ﵀: "ومما يدخل في ذلك دخولا أوّليًا ما هو مشاهدٌ اليوم في المدينة المنورة، من قصد الناس دبر كل صلاة مكتوبة قبرَ النبي - ﷺ - للسلام عليه والدعاء عِنْدَه وبه، يرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيما في موسم الحج، حتى لكأن ذلك من سنن الصلاة! بل إنهم ليحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السنن ولا أحد منهم ينكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وواأسفا على غربة الدين وأهله، وفي مسجد النبي - ﷺ - الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد - بعد المسجد الحرام - عما يخالف شريعته ﵊" (^٢).
والبدع التي يتعلق بها العامة عِنْدَ قبر النبي - ﷺ - كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
- إطالة القيام عِنْدَ القبر النبوي للدعاء لنفسه مستقبلًا الحجرة (^٣).
- استقبال القبر في الصلاة مع استدبار الكعبة (^٤).
- الاستسقاء بالكشف عن قبر النبي - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين (^٥).
ومن البدع المتعلقة بقبر النبي - ﷺ - (شد الرحل لزيارة قبره) وقد بسطت الكلام عنه في باب (شد الرحال).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، ص ١٧٥.
(٢) أحكام الجنائز ص ٢٢٣.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٨٦. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٦ رقم ٢٣٥، وانظر بحث ذلك في باب الدعاء تحت عنوان: "هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -".
(٤) أحكام الجنائز الألباني ٢٦٥ رقم ٢١٧، وانظر تفصيل ذلك في الرد على البكري ١/ ٨٨.
(٥) أحكام الجنائز الألباني ٢٦٧ رقم ٢٣٨.
[ ١ / ٤٥ ]