القسم الأول: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله أو الاستعاذة بأصحاب القبور والموتى والغائبين أو الحجر أو الصنم فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
قال ابن عثيمين - ﵀ -: "أما الاستعاذة بالمخلوق؛ ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه؛ فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة" (^٣)، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه
_________________
(١) تفسير ابن كثير لسورة البقرة، الآيتين: ٢٠ - ٢١.
(٢) ثلاثة الأصول مع الحاشية لابن قاسم، ص ٣٤، ٣٥.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٩٧.
[ ١ / ٩٣ ]
إلا الله؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ سوى الله" (^١).
ويدخل في ذلك الاستعاذة بالجن قال ابن أبي العز الحنفي: "ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ يعني الإنسي للجن، باستعاذتهم بهم، رهقًا: أي إثمًا وطغيانًا وخسرانًا وشرًا، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرًا إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة. وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١،٤٠]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما ينزل عليهم الشياطين" (^٢).
* القسم الثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر القادر.
قال ابن باز: فلا بأس به كما تقول لرجل: أعوذ بك من غلامك أو ابنك وهو مقتضى الأحاديث الواردة في صحيح مسلم لما ذكر النبي - ﷺ - الفتن قال: "فمن وجد من ذلك ملجأ فليعذ به" (^٣). وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن امرأة من
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩، ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٣٣٠.
(٢) شرح الطحاوية ص ٤٥٣ تحقيق أحمد شاكر.
(٣) شرح الشيخ على كتاب التوحيد، شرح مسموع. والحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - ونص الحديث هو: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، ومن تشرف لها تتشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به" البخاري (٣٦٠١) ومسلم (٢٨٨٦).
[ ١ / ٩٤ ]
بني مخزوم سرقت فأتي بها إلى النبي - ﷺ - فعاذت بأم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: "لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فقطعت (^١).
قال ابن عثيمين - ﵀ -: "وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه.
لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك؛ لأن هذا لا يكون إلا لله" (^٢).