الإلهُ: فعالِ بمعنى مألوه، وكُلُّ ما اتُّخِذ مَعبودًا إلهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِه (^١).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "فـ "الإلهُ" اسمُ صفةٍ لكُلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غُلِب على المعبُود بحقٍ وهو اللهُ تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق ويدبِّرُ الأُمُور" (^٢).
فمعنى "الإلهُ" يتضمَّنُ فعلَ الخلقِ والرزقِ والإثابةِ والعقوبةِ، ولهذا انفرد الله
_________________
(١) * سبب الابتداء بباب (لا إله إلا الله) لأنها الأصل الذي تدور عليه مسائل هذا الكتاب وأبوابه، وكل الكتاب شرحٌ لهذه الكلمة وتوضيحٌ لها وذكرٌ لأقسامها وتحذيرٌ مما يضادها. انظر: التمهيد لابن عبد البر ٦/ ٥١، ٦/ ٤٣، ٤٨، ٩/ ٢٤٠، ١٠/ ١٤٩، ٢٣/ ٢٩٦. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ١/ ٩٢. اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابنِ تَيمِيَّةَ ٢/ ٨٣٣. كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب. تيسير العزيز الحميد ص ٧٥،١٢٣. فتح المجيد ص ٦٥، ١٠٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١، ٥٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٥٨، ط ٢ - ١/ ١٥٩ ومن المجموع ٩/ ٥١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٥، ١٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٧٩، ١٨٩. معارج القبول ١/ ٣٠٠، ٣٢٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ١٩٣. نور على الدرب ص ٤٩ شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٥٦، ٥٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١، ٧٧، ٧/ ٣٠، ٣١/ ٣٢. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٢٦، ٣٢٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٥٩ منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني تأليف: محمد إسحاق كندو ص ٩٩٥ وما بعدها. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د/ جمال بن أحمد ١/ ١٦٢. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٢. وانظر كتاب (الشهادتان) للشيخ عبد الله بن جبرين، وكتاب إلا إله إلا الله معناها ومكانتها) للشيخ صالح الفوزان. و(تيسير الإله بشرح أدلة شروط لا إله إلا الله) للجابري.
(٢) القاموس المحيط مادة "أ ل هـ".
(٣) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس، ص ١٠٦.
[ ١ / ١٤ ]
تعالى باستحقاق العبادةِ وحده؛ لأنَّه المنفردُ بهذه الأفعالِ والصفاتِ.
فالإلهُ: هو المعبودُ المطاعُ الذي تألههُ القلوب، أي: تتجهُ لهُ وتقصدُه وتخضعُ له وتتعلقُ به خشيةً وإنابةً ومحبةً وخوفًا وتوكلًا عليه وإخلاصًا ﵎.
قال ابن عَبَّاسٍ - ﵄ -: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين" (^١).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: "وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تألُّه القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفرادُ الله تعالى بها، كالدعاءِ والخوفِ المحبةِ، والتوكلِ والإنابةِ، والتوبةِ، والذبحِ، والنذرِ، والسجودِ، وجميعِ أنواعِ العبادةِ فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العباداتِ لغيرِ لله، فهُوَ مُشرِكٌ ولو نطق بـ "لا إله إلا الله"، إذ يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص" (^٢).
فـ "لا إله إلا الله" معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، وغير الله إن عبد فباطل (^٣).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣،٢]، وقال تعالى:
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان ١/ ٢٢ وابن أبي حاتم انظر الدر المنثور ١/ ٢٣.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٧٥.
(٣) انظر للاستزادة فتح المجيد ص ٦٥ - ٦٩.
[ ١ / ١٥ ]
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
* الدليل من السنة: عَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ انهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الْجَنةَ" (^١)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال في الشهادتين: "لا يلقَى الله بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخلَ الجنةَ" (^٢).
وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: "اذهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" (^٣).
وعَنْ عُبَادَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ (^٤) أَلْقَاهَا (^٥) إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّة حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ" (^٦).
وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي: "فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧).
(٣) أخرجه مسلم (٣٠).
(٤) قال في التيسير ص ٨٤: إنما سُمِّي ﵇ كلمة الله لصدوره بكلمة "كن" بلا أب ا. هـ.
(٥) قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٣٠): خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه ﷿، فكان عيسى بإذن الله ﷿. ا. هـ
(٦) أخرجه البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨) واللفظ للبخاري.
[ ١ / ١٦ ]
أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ إِنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (^١).
وعَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخبرنَا مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي سَجْفَ الْقُبَّةِ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ مَرَّةً: أُخْبرُكُمْ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدَّثَكُمُوهُ إِلا أَنْ تَتَّكِلُوا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ أَوْ دَخَلَ الْجَنّةَ" وَقَالَ مَرَّةً: "دَخَلَ الْجَنّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ" (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ الناس بشفاعتك يوم الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ" (^٣). وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله" (^٤).