قال في النهاية: "قام فُلان على الشيء إذا ثبتَ عليه ومنه الحديث: "اسْتَقِيموا لقُريش ما اسْتقاموا لكم، فإن لم يفعلوا فضَعُوا سُيوفَكم على عَواتِقِكم فأبيدُوا خَضْراءهُم" أي: دُومُوا لهم على الطاعة واثْبُتوا عليها، ما داموا على الدَّين وثبَتُوا على الإسلام. يقال: أقام واسْتقام، كما يقال: أجاب واسْتَجاب" (^١).
وعن قتادة السدوسي ﵀ قال: "الاستقامة أن تلبث على الإسلام والطريقة الصالحة ثم لا تمرق منها ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة ولا تخرج عنها" (^٢).
وقال ابن رجب ﵀: "الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك" (^٣).
وألف أبو العباس ابن تيمية كتاب الاستقامة وقال في أوله: "قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال، ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله، وصفاته، وتوحيده، بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه " (^٤).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
_________________
(١) * الدين الخالص ٣/ ١٣٤، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٥٢٨، ٥٣٣.
(٢) النهاية (ق وم).
(٣) الإبانة الكبرى (١/ ٣١٨).
(٤) جامع العلوم والحكم ١/ ٥١٠.
(٥) الاستقامة ص ٣.
[ ١ / ١١٥ ]
[فصلت: ٣٠] وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤]، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
* الدليل من السنة: عن سفيان بن عبد الله - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم" (^١).
قال ابن رجب: "قول سفيان بن عبد الله للنبي - ﷺ -: "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك " طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي - ﷺ -: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وفي الروية الأخرى: "قل: ربي الله، ثم استقم) " (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله - ﷺ -: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (^٣).
قال ابن رجب ﵀: "فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ
_________________
(١) رواه مسلم (٣٨).
(٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٧٠٥.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٧٧).
[ ١ / ١١٦ ]
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.
وأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه ترجمان القلب والمعبِّر عنه، ولهذا لما أمر النبي - ﷺ - بالاستقامة، وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه، وفي "مسند الإمام أحمد" عن أنس، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه". وفي "الترمذي" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اوعوججنا"" (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ١/ ٥١١، ٥١٢.
[ ١ / ١١٧ ]