قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "والنهي عن ذلك إنما هو سَدٌّ لذريعة الشرك" (^٢).
ونقل عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان فقال - ﵀ -: "قال شيخنا: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التى أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عِنْدَها ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عِنْدَها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - ﷺ - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًّا للذريعة. قال: "وأما إذا قصد الرجل الصلاة عِنْدَ القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله - ﷺ - أن الصلاة
_________________
(١) الأوسط لابن المنذر ٢/ ١٨٥.
(٢) الاختيارت العلمية ص ٢٥.
[ ١ / ٥٥ ]
عِنْدَ القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عِنْدَها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي - ﷺ - بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه" (^١).
وقال الأثرم: "إنما كُرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (^٢).
وقال ابن القيم: "وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي - ﵀ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول - ﷺ - وهو باطل من عدة أوجه:
* منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرقٌ بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.
* ومنها: أنه - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.
ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريّون" (^٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد اللات والعزى من الشرك، ويدل على ذلك أن النبي - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٤، ١٨٥.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٩.
(٣) انظر للاستزادة إغاثة اللهفان ١/ ١٨٦.
[ ١ / ٥٦ ]
قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون.
وقد لعن النبي - ﷺ - متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها" (^١).
وقال - ﵀ -: "وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعيُّ وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق" (^٢).
قال الشيخ ابن باز - ﵀ -: "ومعلوم أن من صلّى عِنْدَ قبر فقد اتخذه مسجدا، ومن بنى عليه ليصلي فيه فقد اتخذه مسجدًا، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد وألا يجعل فيها قبور امتثالًا لأمر الرسول - ﷺ - وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا - ﷿ - لمن بنى المساجد على القبور، لأنه إذا في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع في الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم وأن نبتعد عن طريقهم وعن عملهم السيئ والله ولي التوفيق" (¬٣).