للإخلاص منزلةٌ عالية في الشرع، وجاءت الآيات والأحاديث والآثار بالحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله، فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان، وبمنزلة الروح للجسد، فكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص، وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص، وقد أوضح الله ذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (^١).
وقد ذكر الشيخ تقي الدين - ﵀ -: "أن الحسنة تعظم ويكثرت ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب" (^٢).
ومن ثمرات الإخلاص: أنه يحرر العبد من عبودية غير الله فيكون عمله كله لله فينصرف عن كل مراد لنفسه أو للشيطان ويصبح همُّه إرضاء ربه.
قال ابن تيمية: "وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلبًا وإرادة وحبًا مطلقًا فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله.
_________________
(١) انظر كتاب الإخلاص والإحسان، للشيخ عبد المحسن العباد، ص ٣ - ٤.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٧١ ]
فتارة تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه عبدًا له كان ذلك نقصًا وعيبًا وذمًا.
وتارة يجذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.
وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله.
ومن لم يكن مخلصًا لله عبدًا له قد صار قلبه مستعبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحب مما سواه، ويكون ذليلًا خاضعًا له وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه" (^١).
ومن ثمرات الإخلاص: "نصر الأمة ورفع المنزلة في الآخرة والإنقاذ من الضلال في الدنيا وسبب لزيادة الهدى الناس ووضع القبول له في الأرض وتفريج كروب الدنيا وحسن الخاتمة واستجابة الدعاء وغير هذا كثير" (^٢).