ومثال ذلك قوله - ﷺ -: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه"، وقوله - ﷺ -: "من قتل قتيلًا فله سَلَبُه" ونحو ذلك. فهذا إذا استحضر ثواب الآخرة وسعى لها ورغب إليها واستحضر ثواب الدنيا ولم يقتصر عليها بل كان قلبه معلقًا بالآخرة فلا بأس بذلك مع العلم بأن الأفضل استحضار ثواب الآخرة فقط؛ لأن الشارع إنما رتب الثواب الدنيوي لجواز قصده.
وإن لم يرتب الشارع لها ثوابًا دنيويًا ولم يرغب فيه فقصد ثواب الدنيا محرم وشرك بالله وهذه المسائل كثيرة، وصورها لا يتأتى حصرها في مثل هذا، والأمر كما قال ابن القيم - ﵀ -: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التى أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (^١).
فينبغي للعبد أن يكون مخلصًا لله، مريدًا بعمله وجه الله حتى يغنم الأجرين في الدارين؛ لأن من أراد الله والآخرة جمع الله له ثواب الدنيا والآخرة، ولا يلتفت إلى تحصيل الدنيا، وقد جاءت الأحاديث محذرة من ذلك، أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء، عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (^٢).
_________________
(١) الجواب الكافي ٢٠٠.
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).
[ ١ / ٧٧ ]
وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات يقول له الرسول - ﷺ -: "لا شيء له". ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه" (^١).
٤ - بعض الناس عِنْدَما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلًا يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بَيَّنَ الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية (^٢).
٥ - سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - السؤال التالي: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عِنْدَ قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟
فأجاب بقوله: "يُجاب عن ذلك بأمور:
أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.
الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣١٤٢) والطبراني (٧٦٢٨)، قال الحافظ في الفتح: إسناده جيد ٦/ ٢٨، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء ٤/ ٣٨٤.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٨، ١٠/ ٧٢١، وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٢/ ٢٤٥.
[ ١ / ٧٨ ]
الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣،٢] وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي" (^١).
٦ - بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من طلب العلم أو غيره مما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذمومًا بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا ولو كان فعل كل حسن لم يفعل لله مذمومًا لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا؛ لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه وهذا معنى قول بعضهم: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" وقول آخر: "طلبهم له نية". يعني نفس طلبهم حسن ينفعهم، وهذا قيل في العلم لأنه الدليل المرشد فإذا طلبه بالمحبة وحصَّله عرّفه الإخلاص، فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدور (^٢).
٧ - قال الألوسي في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]: "وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أن آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] نسخت آية هود" (^٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "نسختها أي: قيدتها وخصصتها، فإن السلف كانوا يسمون التقييد والتخصيص نسخًا، وإلا فالآية محكمة" (^٤).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨.
(٢) مستفاد من كتاب غذاء الألباب ٢/ ٥٢٠.
(٣) روح المعاني ٦/ ٢٢٦.
(٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٩.
[ ١ / ٧٩ ]
قال أنس بن مالك والحسن: "نزلت في اليهود والنصارى" (^١).
وقال غيرهم: "هذا في الكفار" (^٢).
* وهنا يرد إشكالان:
الأول: دلالة الآية في الكفار الأصليين فكيف تذكر في حق المسلمين؟.
الثاني: أنها لو كانت في المسلمين لاقتضى تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار (^٣).
ويجاب عن الإشكال الأول: بأن السلف ورد عنهم أيضًا أنهم أدخلوا أصنافًا من المسلمين في هذه الآية فقال مجاهد في تفسيرها: "هم أهل الرياء" (^٤).
وقال البغوي: "نزلت في كل من عمل عملًا يريد به غير الله - ﷿ -" (^٥).
وفي التيسير: "قال الضحاك: "من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء"، قال ابن القيم: "وهذا القول أرجح"، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها" (^٦).
فهذه الآية وإن نزلت في الكفار فإن بعض المؤمنين اشتركوا معهم في وصفهم فأصبح الحكم واحدًا، ومن هنا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الآية في باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
والعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية نزلت في الكفار ولكن لفظها يشمل كل من أراد الدنيا بعمله الصالح من غير الكفار وهي في حق المسلم
_________________
(١) ابن كثير ٤/ ٣١٠.
(٢) البغوي ٤/ ١٦٦، والطبري ١٥/ ٢٦٥.
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٠.
(٤) البغوي ٤/ ١٦٦، وابن كثير ٤/ ٣١٠.
(٥) البغوي ٤/ ١٦٥.
(٦) تيسير العزيز الحميد ٥٣٩.
[ ١ / ٨٠ ]
لا تقتضي تخليده في النار، قال الإمام ابن القيم مجيبًا عن هذا الإشكال: "إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة. فالإيمان إيمانان:
إيمانٌ: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه.
وإيمانٌ: يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود. فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد" (^١).
وقد سُئل الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: "ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه.
فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عَبَّاسٍ.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا مثل أن يحج لمال يأخذه
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٠.
[ ١ / ٨١ ]
لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل الغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء؛ لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] " (¬١).