جاء عن إياس بن أبي تميمة قال: "شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغله، والفرزدق إلى جنبه على بعير، فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس، يقولون: خير الناس، وشر الناس، قال: يا أبا فراس، كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني! وكم من شيخ مشرك أنت خير منه! ما أعددت للموت؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله قال: إن معها شروطًا، فإياك وقذف المحصنة. قال: هل من توبة؟ قال: نعم" (^٢).
وقال ابن رجب: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الثد سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك. ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع. وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر" (^٣).
وقد نظم الشيخ حافظ الحكمي الشروط في الأبيات التالية:
وبشروط سبعةٍ قد قُيِّدت وفي نصوصِ الوحي حقًا وردت
فإنه لم ينتفع قائلُها بالنُطقِ إلا حيث يستكملها
العلمُ واليقينُ والقبولُ والانقيادُ فادرِ ما أقولُ
والصدقُ والإخلاصُ والمحبةُ وفَّقكَ الله لما أحبَّه (^٤)
ونظمها بعضهم بقوله:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك مع محبةٍ وانقيادٍ والقبول لها (^٥)
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ١٤٦. فتح المجيد ص ١١٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٧١.
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٨٤ و١/ ١٦٢.
(٣) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ٩، ١٠.
(٤) وقد شرحها ﵀ في كتابه معارج القبول ٢/ ٤١٨، ٤٣٤.
(٥) ينظر: حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم، ص ٢٩.
[ ١ / ٢٢ ]
وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد أضاف بعضهم إليها شرطا ثامنًا ونظمه بقوله:
وزيد ثامنُها الكفرانُ منك بما سوى الإلهِ من الأندادِ قد أُلِها
وأخذ هذا الشرط الأخير من قوله - ﷺ - في حديث أبي مالك أبيه: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (^١).
وذكره الشيخُ عبدُ الرحمن بنُ حسن في قرّةِ عُيونِ الموحِّدين فقل: "إن لا إله إلا الله قد قُيّدت في الكتاب والسنة بقيودٍ فقال منها:
العلم، واليقين، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والقبولُ والانقياد، والكفرُ بما يُعبَدُ من دونِ الله" (^٢).
وذكره الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب في "كتاب التَّوحيدِ" ثمَّ قال بعده: "وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإَنَّه لم يجعل التلفُّظَ بها عاصمًا للدمِ والمالِ، بل ولا معرفةَ معناها مع لفظِها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحدَه لا شريكَ له، بل لا يحرمُ مالُه ودمُه حتى يُضيف إلى ذلك الكفرَ بما يُعبَدُ من دون الله، فإن شكَّ أو توقف لم يحرُم مالُه ودمُه" (^٣).
وبعضهم يجعل هذا الشرط ضمن أركان (لا إله إلا الله) وقد تقدم في ذكر الأركان أن (لا إله) يبطل الشرك بجميع أنواعه ويوجب الكفر بكل ما يعبد من دون الله و(إلا الله) يثبت أنه لا يستحق العبادة إلا الله ويوجب العمل بذلك ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ هو معنى الركن الأول (لا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣).
(٢) قرة عيون الموحدين ص ٥٠، وقد مضى بعضٌ من الأدلة في أول الباب.
(٣) مجموعة التوحيد ص ٤٧، ٤٨.
[ ١ / ٢٣ ]
إله) وقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ هو، هو معنى الركن الثاني (إلا الله). وكذلك قوله عن الراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الزخرف: ٢٧،٢٦] فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هو معنى النفي في الركن الأول. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هو معنى الإثبات في الركن الثاني.
وعليه فإن شروطها مجملة ثمانية:
الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا.
الثاني: اليقين وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك.
الرابع: الصدق المنافي للكذب، المانع من النفاق.
الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلّت عليه والسرور بذلك.
السادس: الانقياد بحقوقها المنافي للترك: وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبًا لمر ضاته.
السابع: القبول المنافي للرد.
الثامن: الكفر بما سوى الله من الأنداد.
وسوف أتناول كُلَّ شرطٍ بشرحٍ يُبَيِّنُ المقصودَ: