* زرعت: (١)
في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قال القرطبي - رحمه الله تعالى -:
(أضاف الحرث إليهم، والزرع إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى، وينبت على اختياره لا على اختيارهم، وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت، فإن الزارع هو الله» . قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ثم قال القرطبي:
قلت: فهو نهي إرشاد وأدب، لا نهي حظر وإيجاب، ومنه قوله - ﷺ -: «لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي»، وقد بالغ بعض العلماء فقال: لا يقل: حرثت فأصبت، بل يقل: أعانني الله فحرثت، وأعطاني بفضله ما أصبت) اهـ.
وحديث أبي هريرة - ﵁ - رواه البزار، وأبو نعيم، والبيهقي، وقال الحافظ في ترجمة: مسلم بن أبي مسلم من «لسان الميزان»: (ليس في إسناده ممن ينظر فيه غير مسلم هذا) اهـ.
وقال في «فتح الباري» عند
_________________
(١) (زرعت: تفسير القرطبي ١٧/ ٢١٧ - ٢١٨. لسان الميزان ٦/ ٣٢. شرح الإحياء ٦/ ٥٧٨. سنن البهيقي ٦/ ١٣٨. كنز العمال ٣/ ٦٦١. الفتاوى الحديثية ص/ ١٣٤- ١٣٥. فتح الباري ٥/ ٤. الجامع لشعب الإيمان ٩/ ٤٢٨ - ٤٣٠.
[ ٦٢٦ ]
حديث: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا » الحديث: (وفيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي. وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي، أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، فذكره وقال: رجاله ثقات إلا أن مسلم ابن أبي مسلم الجرمي، قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ. وروى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن السلمي بمثله من قوله، غير مرفوع) انتهى.
* زنديق: (١)
قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة: سهل بن عبد الله التُّستري عنه:
(إنَّما سُمي الزنديق زنديقًا؛ لأنه وزن دقيق الكلام بمخبول عقله، وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسنن، وتأول القرآن بالهوى، فسبحان منْ لا تُكيِّفُهُ الأوهام في كلام نحو هذا) اهـ.
وقال أيضًا في ترجمة: سجادة، الحسن بن حماد الحضرمي البغدادي م سنة (٢٤١هـ)
(قال الحسن بن الصباح، قيل لأحمد بن حنبل: إن سجادة سُئِل عن رجل قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثًا إن كلَّم زنديقًا، فكلم رجلًا يقول: القرآن مخلوق، فقال سجادة: طلقت امراته، فقال أحمد: ما أبعد) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في «الفتاوى» ٧/ ٤٧١ - ٤٧٢:
(والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى: «مؤمن»، و«منافق» كافر في الباطن مع كونه مسلمًا في الظاهر، وإلى «كافر» باطنًا وظاهرًا.
ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ «الزنديق» وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب
_________________
(١) (زنديق: سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٣٢، ١١/ ٣٩٢.
[ ٦٢٧ ]
الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل. والمشهور من مذهب الشافعي: قبولها. كالرواية الأُخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصّل.
والمقصود هنا: أن «الزنديق» في عرف هؤلاء الفقهاء: هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -. وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.
ومن الناس من يقول: «الزنديق» هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس؛ ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه: هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر. والمرتد وغير المرتد. ومن أظهر ذلك أو أسرَّه وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ .
فهذا «أصل ينبغي» معرفته فإنه مهم في هذا الباب. فإن كثيرًا ممن تكلم في «مسائل الإيمان والكفر» - لتكفير أهل الأهواء - لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر هذا؛ علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع: قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن) انتهى.
[ ٦٢٨ ]