كافى الكفاة: (١)
قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في ترجمة رزق الله التميمي:
(وذكر ابن الجوزي في تاريخه: أن جلال الدولة أمره أن يكتب شاهنشاه الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك. فنفر العامة، ورجموا الخطباء، ووقعت فتنة. وذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فاستفتى الفقهاء فكتب الصَّيْمري: أنَّ هذه الأسماء يُعتبر فيها القصد والنية. وكتب أبو الطيب الطبري: أن إطلاق ملك الملوك جائز، ويكون معناه: ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يُقال: قاضي القضاة، وكافي الكفاة، جاز أن يُقال: ملك الملوك. وكتب التميمي نحو ذلك، وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني: أن القاضي الماوردي منع من جواز ذلك.
قال ابن الجوزي: والذي ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا إني لا أرى إلا ما رآه الماوردي؛ لأنه قد صحَّ في الحديث ما يدل على المنع لكنهم عن النقل بمعزل ثم ساق حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين. وابن الجوزي وافق على جواز التسمية بقاضي القضاة ونحوه. وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم قال: وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك - يعني: ملك الملوك - كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإنَّ حاكم الحكام في الحقيقة هو الله تعالى. وقد كان جماعةٌ من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي القضاة، وحاكم الحكام، قياسًا على ما يبغضه اللهُ ورسولهُ من التسمية بملك
_________________
(١) (كافى الكفاة: ذيل الطبقات: ١/ ٨٤ - ٨٥.
[ ٤٣٥ ]
الأملاك. وهذا محض القياس.
قلتُ: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي - قاضي الديار المصرية، وابن قاضيها - يمنع الناس أن يخاطبوه بقاضي القضاة، أو يكتبون له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضي المسلمين. وقال: إنَّ هذا اللفظ مأثورٌ عن علي ﵁.
يوضح ذلك: أن التلقيب بملك الملوك إنما كان من شعائر ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم. وكذلك كان المجوس يسمون قاضيهم «موبَذ مُبَذان» يَعنُون بذلك: قاضي القضاة. فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغي التسمية بهما. والله أعلم) اهـ.
كأنَّ وجهه مصحف: (١)
تجد في كتب الجرح والتعديل من عباراتهم في التوثيق: مثل ورقة المصحف، أو: كأنَّه المصحف، أو: كان يسمى: المصحف.
وهذه العبارة موجودة عند صلحاء ديارنا في نجد، لكن لا يقولونها فيما عهدنا إلا في حق الصالحين من العلماء والعبَّاد، والتوقي من استعمالها أسْلم. والله أعلم.
كاميليا:
مضى في حرف العين: عبد المطلب.
كانْت:
مضى في حرف العين: عبد المطلب.
الكتاب غير القرآن:
مضى في حرف القاف: القرآن قديم.
كذبت: (٢)
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
(في الفنون: سُئِل أحمد بن حنبل عن رجل سمع مؤذنًا يقول: أشهدُ أن محمدًا رسوله الله، فقال: كذبت، فقال: لا، لا يكفر، لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال، لا في أصل الكلمة، فكأنَّه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾) اهـ.
كثير: (٣)
أسند الحاكم عن عصام بن بشير،
_________________
(١) (كأنَّ وجهه مصحف: التذكرة للذهبي ١/ ١٥٤، في ترجمة سليمان الأعمش. تهذيب ١٠ / ١١٤، ١١٥، ١٢ / ٥٨.
(٢) (كذبت: بدائع الفوائد ٤/ ٤٢.
(٣) (كثير: المستدرك: ٤/ ٢٧٥.
[ ٤٣٦ ]
حدَّثني أبي، قال: أوفدني قومي بنو الحارث بن كعب إلى النبي - ﷺ - فلما أتيته قال لي «مرحباُ، ما اسمك؟» قلت: كثير، قال: «بل أنت بشير» .
قال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» قال الذهبي: صحيح.
كرامة للرسول - ﷺ -: (١)
في معرض بيان منع صرف أي من أنواع العبادة لغير الله تعالى، قال شيخ الإسلام في الفتاوى:
(ولهذا لا ينبغي لأحد أن يسأل بغير الله: مثل الذي يقول: كرامة لأبي بكر، ولعلي، أو للشيخ فلان، أو الشيخ فلان، بل لا يُعطى إلا من سأل لله، وليس لأحد أن يسأل لغير الله، فإن إخلاص الدِّين لله واجب في جميع العبادات البدنية والمالية ) .
كربلاء: (٢)
في مبحث ابن القيم - ﵀ - من التحفة من أن الأسماء والمباني تدل على المعاني قال:
(ولمَّا نزل الحسين وأصحابه بكربلاء، سأل عن اسمها، فقيل: كربلاء، فقال: كرب وبلا) نسأل الله السلامة والعافية. فعليه: لو سمى شخص داره أو محلته ونحو ذلك بهذا الاسم؛ لكانت تسمية تكرهها النفوس وتأباها. والله المستعان.
الكرْم: (٣)
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسموا العنب: الكرْم، فإن الكرم المسلم» . متفق عليه. هذا لفظ مسلم. وفي رواية للبخاري ومسلم: «يقولون الكرم. إنما
_________________
(١) (كرامة للرسول ﷺ: الفتاوى: ١/ ٧٥ - ٧٦، ٢٧ / ١٤٧ - ١٥٠، فهرسها ٣٦ / ١٦.
(٢) (كربلاء: تحفة المودود ص/ ١٢٤.
(٣) (الكرْم: الحيوان ١/ ٣٣٩، ٣٤٣. فتح الباري ١٠/ ٥٦٦. شرح مسلم ١٥ / ٤. تهذيب السنن ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩. معالم السنن ٤/ ١٣٠. شرح ابن علان ٧/ ٦٦. رياض الصالحين ص/ ٧١٢. شرح الأدب المفرد ٢/ ٢٦٢. كنز العمال ٣/ ٦٥٦، ٦٥٧، ٦٥٨ - ١٦ / ٤٢٧. وشرح الأدب المفرد أيضًا ٢/ ٢٣٨. وزاد المعاد ٢/ ٩، ٣٧، ٣/ ١٨٤. والصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا ص/ ٤٢٤ رقم / ٣٦٣. تحرير ألفاظ والتنبيه ص/ ٢١٦. الفتاوى الحديثية ص/ ١٣٥. الجامع لشعب الإيمان ٩/ ٤٢٦ - ٤٢٨. وانظر في حرف التاء: تعس الشيطان. وفي حرف الخاء: خليفة الله.
[ ٤٣٧ ]
الكرم قلب المؤمن» . ونحوه عند أبي داود، وزاد: «ولكن قولوا: حدائق العنب» .
وقال الحافظ في (الحيوان):
(وقد كرهوا أسياء ممَّا جاءت في الروايات لا تُعرف وجوهها، فرأيُ أصحابنا: لا يكرهونها. ولا تستطيع الردَّ عليهم، ولم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفَّت المؤنة، ولكنّ أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، ودون الإخبار عن البرهان، وإن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدةً واحدة.
قال ابن مسعود وأبو هريرة:
«لا تسمُّوا العِنب: الكرْم؛ فإنْ الكرم هو الرجل المسلم» .
وقد رفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -.
وأمَّا قوله: «لا تسُبُّوا الدهر فإنَّ الدهر هو الله» فما أحسن ما فسَّر ذلك عبد الرحمن بن مهدي، قال: وجهُ هذا عندنا، أنَّ القوم قالوا: (وما يُهْلِكنا إلا الدَّهرُ) فلما قال القوم ذلك، قال النبي - ﷺ -: «ذلك الله» . يعني أن الذي أهلك القرون هو الله ﷿، فتوهم منه المتوهِّم أنَّه إنَّما أوقع الكلام على الدهر.
وقال يونس: وكما غلطوا في قول النبي - ﷺ - لحسَّان: «قُلْ ومعك روحُ القُدُس» فقالوا: قال النبي - ﷺ - لحسان: قُلْ ومعك جِبريل؛ لأنَّ روح القدس أيضًا من أسماء جبريل. ألا ترى أنَّ موسى قال: «ليت أنّ رُوح الله مع كلّ أحد»، وهو يريد: العصمة والتوفيق. والنصارى تقول للمتنبِّي: معه روح دكالا، ومعه روح سيفرت. وتقول اليهود: معه روح بعلز قرِّب بول، يريدون شيطانًا، فإذا كان نبيًا قالوا: روحه روح القدس. وروحه روح الله وقال الله تعالى ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، يعني القرآن.
وسمع الحسن رجلًا يقول: طلع سُهيل وبرد الليل. فكره ذلك وقال: إن سهيلًا لم يأت بحرٍّ ولا ببردٍ قطُّ. ولهذا الكلام مجازٌ ومذهب، وقد كرهه الحسنُ كما ترى.
وكره مالك بن أنس أن يقول الرجُلُ للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر! وهذا كلام مجازه قائم، وقد كرهه ابن أنس. كأنهم من خوفهم عليهم العود
[ ٤٣٨ ]
في شيءٍ من أمر الجاهلية، احتاطوا في أُمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلّق.
ورووا أنّ ابن عبَّاس قال: لا تقولوا والذي خاتمه على فمي، فإنَّما يختم الله ﷿ على فم الكافر. وكره قولهم: قوس قُزح. وقال: قزح شيطان، وإنَّما ذهبوا إلى التعريج والتلوين، كأنّه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهليَّة. وكان أحبَّ أن يقال: قوس الله، فيرفع من قدره، كما يقال: بيت الله، وزُوَّار الله، وأرض الله، وسماء الله، وأسد الله.
وقالت عائشة - ﵂ -:
«قولوا لرسول الله - ﷺ -: خاتم النبيين، ولا تقولوا: لا نبيَّ بعده» . فإلا تكنْ ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف له وجهًا إلا أن تكُون قالت لا تغيِّروا ما سمعتم، وقولوا كما قيل لكم، والفظِوا بمثله سواء.
وكره ابن عمر - ﵄ - قول القائل: أسلمت في كذا وكذا، وقال: ليس الإسلام إلا الله ﷿. وهذا الكلام مجازهُ عند الناس سهل، وقد كرهه ابنُ عمر، وهو أعلم بذلك.
وكره ابنُ عباس - ﵄ - قول القائل: أنا كسلان.
وقال عمر: لا تسمُّوا الطريق: السِّكَّة.
وكره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، وقال: قل تبعت جنازة. كأنّهُ ذهب إلى أنه عنى أنّه كان في جوفها، وقال: قل: تبعت جنازة. والناس لا يريدون هذا، ومجاز هذا الكلام قائم، وقد كرهه أبو العالية، وهو عندي شيبةٌ بقول من كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. وقال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟ فليس جوابه أن تقول: القفيز بدُنينير، ولكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، ويقول: هكذا الكلية. وهذا من القول المسخوط!
وكره ابن عباس قول القائل: الناس قد انصرفوا، يريد: من الصلاة، قال: بل قولوا: قد قضوْا الصلاة، وقد فرغوا من الصلاة، وقد صلَّوا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . قال: وكلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، وقد انصرفوا من السُّوق، وانصرف الخليفة، وصرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، وكنت في
[ ٤٣٩ ]
أوَّل المنصرفين. وقد كرهه ابن عبّاس. ولو أخبرونا بعلّتِه انتفعنا بذلك.
وكره حبيب بن أبي ثابت أن يقال للحائض: طامِث. وكره مجاهد قول القائل: دخل رمضان، وذهب رمضان، وقال: قولوا: شهر رمضان، فلعلّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى.
قال أبو إسحاق: إنما أتي من قبل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فقد قال الناس: يوم التروية، يوم عرفة، ولم يقولوا: عرفة) اهـ.
كرم الله وجهه: (١)
سبق سياق كلام ابن كثير - رحمه الله تعالى - في حرف الصاد، عند قول: صلي الله عليه وسلم، على غير الأنبياء. وقد ساقه السفاريني في غذاء الألباب ثم قال:
(قلت: قد ذاع ذلك وشاع، وملأ الطروس والأسماع. قال الأشياخ: وإنما خُصّ علي - ﵁ - بقول: كرم الله وجهه؛ لأنه ما سجد إلى صنم قط، وهذا إن شاء الله لا بأس به، والله الموفق) اهـ.
قلت: أما وقد اتخذته الرافضة أعداء علي - ﵁ - والعترة الطاهرة - فلا؛ منعًا لمجاراة أهل البدع. الله أعلم.
ولهم في ذلك تعليلات لا يصح منها شيء ومنه: لأنه لم يطلع على عورة أحد أصلًا، ومنها: لأنه لم يسجد لصنم قط. وهذا يشاركه فيه من ولد في الإسلام من الصحابة - ﵃ - علمًا أن القول بأي تعليل لابد له من ذكر طريق الإثبات.
تنبيه: (٢)
في مسند أحمد عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يقول: إن رسول الله - ﷺ - أخذ الراية فهزها، ثم قال: «من يأخذها بحقها»، فجاء فلان،
_________________
(١) (كرم الله وجهه: التذكرة التيمورية ص/ ٢٨٢ - ٢٨٣. فتاوى ابن حجر الهيتمي ١/ ٤٢. الفتاوى الحديثية ص / ٥٦ - ٥٧. الآداب الشرعية لابن مفلح. تاريخ إربل. تفسير ابن كثير ٣/ ٥١٦ - ٥١٧. مسند أحمد ٣/ ١٦، ٤/ ٥٣. وكتاب الجهاد من صحيح مسلم وسنن أبي داود. فتاوى اللجنة: ٣/ ٢٨٩.
(٢) (تنبيه: في النسخ المطبوع من إعلام الموقعين لابن القيم إذا ذكر علي ﵁ - فكثيرًا ما يقول: كرم الله وجهه، كما في ٢/ ٤٣، ١١٤، ١٩٧، ٣٥٣، أو يقول: كرم الله وجهه في الجنة، كما في ٢/ ١٧٦.
[ ٤٤٠ ]
فقال: أنا قال: «أمط» . ثم جاء رجل فقال: «أمط»، ثم قال النبي - ﷺ -: «والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلًا لا يفر، هاك يا علي» . الحديث. وفي مسند سلمة بن الأكوع أنه قالها للنبي - ﷺ - في حديث طويل.
وفي سياق بعض الأحاديث تجد قولهم - كرم الله وجهه - عند ذكر علي - ﵁ - ولا نعرف هذا في شيء من المرفوع، ولا أنه من قول ذلك الصحابي، ولعله من النساخ. والأمر يحتاج إلى الوقوف على النسخ الخطية الأولى.
كشر: (١)
في خبر قدوم وفد الأزد، على رسول الله - ﷺ - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
(وقد كان أهل «جرش» بعثوا إلى رسول الله - ﷺ - رجلين منهم يرتادان وينظران، فبينما هما عند رسول الله - ﷺ - عشية بعد العصر؛ إذ قال رسول الله - ﷺ - «بأي بلاد الله «شكر؟» فقام الجرشيان، فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يُقال له: «كشر» وكذلك تسمية أهل جرش، فقال - ﷺ -: «إنه ليس بكشر، أنه شكر» الحديث) . انتهى.
الكعبة
مضى في حرف العين: عبد الكعبة.
كلام النفس: (٢)
لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بحوث حافلة في مسمى «الإيمان»، وفي حقيقه «الكلام»، في معرض الرد على الكلاميين في قضايا الاعتقاد هذه. وفيها ذكر:
أن الذي يقيد بالنفس لفظ «الحديث» يقال: حديث النفس، ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: كلام النفس، وقول النفس، كما قالوا: حديث النفس.
ولهذا يعبر عن الأحلام التي ترى في المنام بلفظ الحديث، لقول يعقوب ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وقول يوسف: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وتلك في النفس لا تكون باللسان.
فلفظ الحديث قد يقيد بما في النفس، بخلاف لفظ «الكلام» فإنه لم يعرفه أنه أريد به ما في النفس قط
_________________
(١) (كشر: زاد المعاد ٣/ ٣٥.
(٢) (كلام النفس: الفتاوى ٧/ ١٣٥ - ١٤٠.
[ ٤٤١ ]
وأما البيت الذي يحكى عن الأخطل، أنه قال:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فهذا لا تعرف صحة نسبته إلى الأخطل النصراني، ثم هو من المولدين.
ثم إن نفاة الصفات، ومنها نفيهم «صفة الكلام» عن الله تعالى كما يليق بجلاله، أَوَّلُوا النصوص بكلام الله تعالى بأنه «كلام نفساني» وهذا من أبطل الباطل، فإن تعالى وصف نفسه بصفة الكلام ولم يقيدها سبحانه بأنه كلام نفساني، فهذا قيد بدعي حادث فاسد لغة وشرعًا لا تعرفه العرب بلسانها الذي نزل به القرآن، فإذا أطلق الكلام شمل اللفظ والمعنى.
وهم يرمون بهذا القيد «النفسي» نفي صفة الكلام لله تعالى والأيلولة إلى مقالة الجهمية بخلق القرآن.
وماذا يقول النفاة بحديث: «إن الله يحدث لنبيه ما شاء وأن مما أحدث لنبيه أن لا تكلموا في الصلاة» رواه أحمد ١/ ٣٧٧، وأبو داود، والنسائي، والبخاري تعليقًا.
ولم يقل مسلم بل ولا عاقل قط بأن الكلام الممتنع في الصلاة هو «كلام النفس» .
فالتزم أيها المسلم نصوص الكتاب والسنة، وطريقة السلف في فهم المراد منها ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ فأثبت ما أثبته الله لنفسه بلا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل. والله الموفق.
الكلام غير المتكلم: (١)
للمتكلمة عبارات يصلون بها إلى تحقيق مذاهبهم، مع ما فيها من تلبيس على السامع، منها:
الكلام غير المتكلم.
القول غير القائل.
القدرة غير القادر.
الصفة غير الموصوف.
وهكذا في ألفاظ أخر، وقد بين الأئمة مقاصدهم، ومرامي كلامهم.
ونُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية
_________________
(١) (الكلام غير المتكلم: الفتاوى: ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧، ١٢ / ٥٦٠ - ٥٦١.
[ ٤٤٢ ]
- رحمه الله تعالى - في: الفتاوى ما نصه:
«وسُئِل ﵀: ما تقول السادة العلماء الجهابذة - أئمة الدِّين ﵃ أجمعين - فيمن يقول: الكلام غير المتكلم، والقول غير القائل، والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له معنى؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا؛ ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد، أثابكم الله بمنه؟
فأجاب - ﵁ -:
الحمد لله، من قال: إن الكلام غير المتكلم، والقول غير القائل، وأراد أنه مباين له ومنفصل عنه، فهذا خطأ وضلال، وهو قول من يقول: إن القرآن مخلوق، فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم بصه صفة من الصفات، لا القرآن ولا غيره، ويوهمون الناس بقولهم: العلم غير العالم، والقدرة غير القادر، والكلام غير المتكلم، ثم يقولون: وما كان غير الله فهو مخلوق، وهذا تلبيس منهم.
فإن لفظ «الغير» يُراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له، وعلى هذا فلا يجوز أن يُقال: عِلْمُ الله غيره، ولا يُقال: إن الواحد من العشرة غيرها، وأمثال ذلك، وقد يُراد بلفظ «الغير» ما ليس هو الآخر، وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف، لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة بصفاته مخلوقًا؛ لأن صفاته ليست هي الذات؛ لكن قائمة بالذات، والله ﷾ هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله، وليس الاسم اسمًا لذات لا صفات لها؛ بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها.
والصواب في مثل هذا أن يُقال: الكلام صفة المتكلم، والقول صفة القائل، وكلام الله ليس باينًا منه؛ بل أسمعه لجبريل، ونزل به على محمد - ﷺ -، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ولا يجوز أن يُقال: إن كلام الله فارق ذاته، وانتقل إلى غيره، بل يُقال كما قال السلف: إنَّه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود. فقولهم: «منه بدأ» رد على من قال: إنَّه مخلوق في بعض الأجسام، ومن ذلك المخلوق ابتدأ. فبينوا أن الله هو المتكلم به «منه بدأ» لا من بعض
[ ٤٤٣ ]
المخلوقات «وإليه يعود» أي فلا يبقى في الصدور منه آية، ولا في المصاحف حرف، وأما القرآن فهو كلام الله.
فمن قال: إن القرآن الذي هو كلام الله غير الله، فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال: إن الكلام غير المتكلم، وكذلك من قال: إن كلام الله له مقروء غير القرآن الذي تكلم به؛ فخطؤه ظاهر، وكذلك من قال: إن القرآن الذي يقرؤه المسلمون غير المقروء الذي يقرؤه المسلمون فقد أخطأ.
وإن أراد بـ «القرآن» مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، وقال: أردت أن القراءة غير المقروء؛ فلفظ القراءة مجمل، قد يراد بالقراءة: القرآن، وقد يُراد بالقراءة: المصدر، فمن جعل «القراءة» التي هي المصدر غير المقروء، كما يجعل التكلم الذي هو فعله غير الكلام الذي هو يقوله، وأراد بالغير أنه ليس هو إياه، فقد صدق، فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلًا كالحركة، ويتضمن ما يقترن بالفعل من الحروف والمعاني؛ ولهذا يجعل القول قسيمًا للفعل تارة، وقسمًا منه أُخرى.
فالأول كما يقول: الإيمان قول وعمل. ومنه قوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأُمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» . ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ وأمثال ذلك مما يفرق بين القول والعمل. وأما دخول القول في العمل ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وقد فسروه بقول: لا إله إلا الله، ولما سُئِل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله» مع قوله: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله؛ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» ونظائر ذلك متعددة.
وقد تنوزع فيمن حلف لا يعمل عملًا إلا إذا قال قولًا كالقراءة ونحوها هل يحنث؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره بناء على هذا.
فهذه الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها، وإلا وقع
[ ٤٤٤ ]
فيها نزاع واضطراب. والله ﷾ أعلم.
كُلُّ عامٍ وأنتم بخير: (١)
هو بضم اللام من (كل): مبتدأ لا خبر له، ولو قيل: الخبر محذوف تقديره (يمر)؛ لقيل: هذا من المواضع التي لا يحذف فيها الخبر.
وعليه: فهو لحن لا يتأدَّى به المعنى المراد من إنشاء الدعاء للمخاطب، وإنَّا يتأدَّى به الدُّعاء إذا فتحت اللام من (كل) ظرف زمان - لإضافتها إلى زمان - منصوب نعت لخير.
أنتم: مبتدأ. بخير: متعلق بمحذوف، خبر، والمعنى (أنتم بخير دائم) أو (أنتم بخير في كل عام) .
وهذا شيبه بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: من الآية٢٩] أي: هو في شأن كل يوم. ولذا فعلى الدَّاعي به عدم اللحن. والله أعلم.
كل مجتهد مصيب: (٢)
صوابه أن يقال: كل مجتهد عند نفسه مصيب؛ إذ الحق واحد في أحد القولين أو الأقوال. أو يُقال: لكل مجتهد نصيب؛ إذ له أجران إن أصاب، وأجر واحد إن لم يصب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:
وسُئِل: هل كل مجتهد مصيب؟ أو المصيب واحد والباقي مخطئون؟) فأجاب: (قد بسط الكلام في هذه المسألة في غير موضع، وذكر نزاع الناس فيها، وذكر أن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم؛ وقد يراد به عدم العلم.
فإن أُريد الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب؛ فإنه مطيع لله ليس بآثم ولا مذموم.
وإن أُريد الثاني فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره؛
_________________
(١) (كُلُّ عامٍ وأنتم بخير: شموس العرفان ص/ ٢٩، لعباس أبو السعود. ومجلة قافلة الزيت ص / ١٠٩ مقال بعنوان: كلمة كل عام وأنتم بخير. بقلم / محمد صلاح الدين الأزهري / الرياض.
(٢) (كل مجتهد مصيب: الفتاوى: ٢٠/ ١٩ - ٢٦. أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٢٢. صفة صلاة النبي ﷺ للألباني: ص/ ٦٣، طبعة عام ١٤١١ هـ.
[ ٤٤٥ ]
ويكون ذلك علمًا بحقيقة الأمر لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه؛ ولكن الواصل إلى الصواب له أجران، كما قال النبي - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر» .
ولفظ: «الخطأ» يستعمل في العمد وفي غير العمد، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ والأكثرون يقرؤون ﴿خِطْأً﴾ على وزن رِدْأ وعلمًا. وقرأ ابن عامر (خطأ) على وزن عملًا، كلفظ الخطأ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وقرأ ابن كثير (خطاء) على وزن هجاء، وقرأ ابن رزين (خطاء) على وزن شرابا، وقرأ الحسن وقتادة (خطأً) على وزن قتلًا، وقرأ الزهري (خطا) بلا همزة على وزن عدى. قال الأخفش: خطى يخطأ بمعنى: أذنب، وليس معنى أخطأ؛ لأن أخطأ في ما لم يصنعه عمدًا، يقول فيما أتيته عمدًا: خطيت؛ وفيما لم يتعمده: أخطأت.
وكذلك قال أبو بكر ابن الأنباري: الخطا: الإثم، يقال: قد خطا يخطا إذا أثم، وأخطأ يخطئ إذا فارق الصواب.
وكذلك قال ابن الأنباري في قوله: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، فإن المفسرين كابن عباس وغيره: (قالوا): لمذنبين آثمين في أمرك. وهو كما قالوا فإنهم قالوا: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، وكذلك قال العزيز لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ قال ابن الأنباري: ولهذا اتير خاطئين على مخطئين، وإن كان أخطأ على ألسن الناس أكثر من خطا يخطى؛ لأن معنى خطا يخطى فهو خاطئ: آثم، ومعنى أخطأ يخطئ: ترك الصواب ولم يأثم. قال: عبادك يخطئون وأنت رب تكفل المنايا والحتوم، وقال الفراء: الخطأ: الإثم، الخطا والخطا والخطا ممدود. ثلاث اللغات.
قلت: يقال في العمد: خطأ، كما
[ ٤٤٦ ]
يقال في غير العمد على قراءة ابن عامر، فيقال لغير المتعمد: أخطأت كما يقال له: خطيت، ولفظ الخطيئة من هذا، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ وقول السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
ومنه قوله في الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادى! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم» . وفي الصحيحين عن أبي موسى؛ عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه: «اللهم اغفر لي هزلي وجدي؛ وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي» .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، أنه قال: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» .
والذين قالوا: كل مجتهد مصيب، والمجتهد لا يكون على خطأ، وكرهوا أن يقال للمجتهد: إنه أخطأ، هم كثير من العامة، يكره أن يقال عن إمام كبير: إنه أخطأ، وقوله: أخطأ؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الذنب كقراءة بن عامر: ﴿إنه كان خطأ كبيرًا﴾ . ولأنه يقال في العامد: أخطأ يخطئ كما قال: يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم» فصار لفظ الخطأ وأخطأ قد يتناول النوعين، كما يخص غير العامل، وأما لفظ الخطيئة فلا يستعمل إلا في الإثم.
والمشهور إن لفظ الخطأ يفارق المفسد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ الآية، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .
[ ٤٤٧ ]
وقد بين الفقهاء أن الخطأ ينقسم إلى خطأ في الفعل؛ وإلى خطأ في القصد.
فالأول: أن يقصد الرمي إلى ما لا يجوز رميه من صيد وهدف فيخطئ بها، وهذا فيه الكفارة والدية.
والثاني: أن يخطئ في قصده لعلم؛ كما أخطأ هناك لضعف القوة، وهو أن يرمي من يعتقده مباح الدم ويكون معصوم الدم، كمن قتل رجلًا في صفوف الكفار، ثم تبين أنه كان مسلمًا، والخطأ في العلم هو من هذا النوع؛ ولهذا قيل في أحد القولين: إنه لا دية فيه لأنه مأمور به، بخلاف الأول.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ففرَّق بين النوعين، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال: «قد فعلت» .
فلفظ الخطأ وأخطأ عند الإطلاق يتناول غير العامل، وإذا ذكر مع النسيان أو ذكر في مقابلة العامل كان نصًا فيه، وقد يُراد به مع القرينة: العمد، أو العمد والخطأ جميعًا، كما في قراءة ابن عامر؛ وفي الحديث الإلهي - إن كان لفظه كما يرويه عامة المحدثين - «تخطئون» بالضم.
وأما اسم الخطائ فلم يجئ في القرآن إلا للإثم بمعنى الخطيئة، كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، وقوله: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، وقوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ .
وإذا تبين هذا، فكل مجتهد مصيب غير خاطئ، وغير مخطئ أيضًا، إذا أُريد بالخطأ الإثم على قراءة ابن عامر، ولا يكون من مجتهد خطأ، وهذا هو الذي أراده من قال: كل مجتهد مصيب، وقالوا: الخطأ والإثم متلازمان، فعندهم لفظ الخطأ كلفظ الخطيئة على قراءة ابن عامر، وهم يسلمون أنه يخفى عليه بعض العلم الذي عجز عنه، لكن لا يسمونه خطأ؛
[ ٤٤٨ ]
لأنه لم يُؤمر بِهِ، وقد يسمونه خطأ إضافيًا، بمعنى: أنه أخطأ شيئًا لو علمه لكان عليه أن يتبعه وكان هو حكم الله في حق؛ ولكن الصحابة والأئمة الأربعة - ﵃ - وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد؛ وإن لم يكن إثمًا، كما نطق بذلك القرآن والسنة في غير موضع، كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» .
وقال غير واحد من الصحابة كابن مسعود: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؛ والله ورسوله بريئان منه وقال علي في قصة التي أرسل إليها عمر فأسقطت - لما قال له عثمان وعبد الرحمن ﵄: أنت مؤدب ولا شيء عليك -: إن كانا اجتهدا فقد أخطآ، وإن لم يكونا اجتهدا فقد غشّاك.
وأحمد يفرق في هذا الباب، فإذا كان في المسألة حديث صحيح لا معارض له كان من أخذ بحديث ضعيف أو قول بعض الصحابة مخطئًا، وإذا كان فيها حديثان صحيحان نظر في الراجح فأخذ به؛ ولا يقول لمن أخذ بالآخر: إنه مخطئ، وإذا لم يكن فيها نص اجتهد فيها برأيه، قال: ولا أدري أصبت الحق أم أخطأته؟ ففرق بين أن يكون فيها نص يجب العمل به وبين أن لا يكون كذلك، وإذا عمل الرجل بنص وفيها نص آخر خفي عليه لم يسمه مخطئًا؛ لأنه فعل ما وجب عليه؛ لكن هذا التفصيل في تعيين الخطأ، فإن من الناس من يقول: لا أقطع بخطأ منازعي في مسائل الاجتهاد. ومنهم من يقول: أقطع بخطئه. وأحمد فصّل، وهو الصواب، وهو إذا قطع بخطئه بمعنى عدم العلم لم يقطع بإثمة، هذا لا يكون إلا في من علم أنه لم يجتهد.
وحقيقة الأمر أنه إذا كان فيها نص خفي على بعض المجتهدين وتعذر
[ ٤٤٩ ]
عليه علمه ولو علم به لوجب عليه اتباعه؛ لكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر، وهو منسوخ أو مخصوص: فقد فعل ما وجب عليه بحسب قدرته، كالذين صلوا إلى بيت المقدس بعد أن نسخت وقبل أن يعلموا بالنسخ، وهذا لأن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلفين إلا بعد تمكنهم من معرفته في أصح الأقوال، وقيل: يثبت معنى وجوب القضاء لا بمعنى الإثم، وقيل: يثبت في الخطاب المبتدأ دون الناسخ، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره) إلى آخر كلامه - رحمه الله تعالى -.
كل مجتهد من أهل الأديان مصيب: (١)
في ترجمة عبيد الله بن الحسن العنبري، أنه كان ثقة في الحديث و(كان من كبار العلماء، العارفين بالسنة، إلا أن الناس رموه بالبدعة، بسبب قول حُكي عنه، من أنه كان يقول: بأن مجتهد من أهل الأديان مصيب، حتى كفره القاضي أبو بكر، وغيره) .
وقد ساق قوله هذا، وما شابهه، الشاطبي في: «الاعتصام» وذكر رجوعه عنه، وأنه من باب زلة العالم، وقال كلمته المشهورة: (إذًا أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذنبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل) اهـ.
كل معجزة لنبي كرامة لولي:
هذه من عبارات الصوفية، وللشامي في السيرة (سبل الهدى والرشاد) تقرير نفيس بإبطالها، وأن الصحيح عكسها. والله أعلم.
الكلابي: (٢)
غيَّره النبي - ﷺ - إلى: ذؤيب. كما في ترجمة: ذؤيب بن شُعثم. رواه ابن مندة.
_________________
(١) (كل مجتهد من أهل الأديان مصيب: الاعتصام للشاطبي: ١/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٢) (الكلابي: الإصابة ٢/ ٤٢ رقم ٢٤٩٢ وانظر في حرف الذال: ذؤيب.
[ ٤٥٠ ]
وانظر بعده: الكلاح.
الكلاح: (١)
ذؤيب بن شعثم العنبري، كان اسمه (الكلاح) فسماه النبي - ﷺ - ذؤيبًا، وكانت له ذؤابة طويلة. وانظر قبله: الكلابي.
كلاّ وأبيك: (٢)
عن كعب الأخبار قال: إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا. احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره.
رواه ابن أبي الدُّنيا.
ويأتي في حرف الواو: والكعبة ونحوها.
كلام الله قديم: (٣)
هذه جاءت في كلام بعض المشاهير كالموفق، وهي ذهول، وإلا فهو الأول بصفاته سبحانه.
كلام الملوك ملوك الكلام: (٤)
هذه العبارة يبحثها النحاة، وللفقهاء حولها وقفة في جواز إطلاقها من عدمه. وقد ألِّفت فيها عدة رسائل، لاسيما بين علماء الهند، لكن لم نقف على شيء منها، ومنها في النحو:
١. عمدة الكلام الكلام بجواز (كلام الملوك ملوك الكلام) أحمد بن قلندر الحنفي الهندي م سنة ١٣٢٠ هـ - رحمه الله تعالى -.
٢. خير الكلام في تصحيح: كلام الملوك ملوك الكلام للشيخ عبد الحي اللكنوي م سنة ١٣٠٤ هـ - رحمه الله تعالى -.
كلب: (٥)
عن بريدة - ﵁ - قال:
_________________
(١) (الكلاح: الإصابة ٢/ ٤٢٢ رقم ٢٤٩٢. نقعة الصديان للصاغاني ص / ٤٨.
(٢) (كلاّ وأبيك: الصمت وآداب اللسان ص/ ٤٢٢، رقم ٣٥٨، وسنده صحيح.
(٣) (كلام الله قديم: الفتاوى للشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٠٩.
(٤) (كلام الملوك ملوك الكلام: نزهة الخواطر ٧/ ٥١٨. النافع الكبير للكنوي ص/ ٦٢.
(٥) (كلب: تحفة المودود ص / ١٢٠. كنز العمال ١٦ / ٤٢٤. معجم الطبراني الكبير برقم ١١٦٣. ويأتي في حرف الواو: وصال.
[ ٤٥١ ]
«نهى - ﷺ - أن يُسمى: كلب أو كليب» رواه الطبراني في «الكبير» وسنده عنده ضعيف.
كلوريا:
مضى في حرف العين: عبد المطلب
كمسلم: (١)
في «معجم الأخطاء الشائعة» ص/ ٢٦٨: أن الكاف هنا للتمثيل بما لا مثيل له، وتسمى كاف الاستقصاء.
والمعنى: بصفته مسلمًا، أو: بكونه مسلمًا. والعدناني صاحب هذا المعجم يتابع داغرًا في كتابه: (تذكرة الكاتب ص/ ٣٣) .
وقد أجاز مجمع اللغة العربية بمصر هذا الأسلوب، لكنه اضطرب في شأن هذه الكاف: هل هي للتشبيه، أو للتعليل، أو زائدة؟
لكن المحققين من أهل اللغة لا يرتضون هذا الأُسلوب، ويرونه مولدًا حادثًا عن الأُسلوب الإفرانجي فهو تقليد له. وأنه لا يوجد لدى النحاة ما يسمى بكاف الاستقصاء، ولا في الأدب العربي القديم، قرر ذلك جماعات منهم: الأُستاذ النجار في: محاضرات عن الأخطاء الشائعة ٢/ ٤٣، والأُستاذ رمضان عبد التواب في كتابه: لحن العامة ص / ٣٤٤.
والشيخ تقي الدين الهلالي- رحمه الله تعالى- يسمى هذه الكاف: (الكاف الاستعمارية) .
كنت في جنازة:
مضى في لفظ: الكرم.
الكوارث الطبيعية:
انظر في حرف الطاء: الطبيعة.
الكوكب:
تسمية الأرض: كوكبا.
مضى في حرف الألف: التفت.
_________________
(١) (كمسلم: تقويم اللسانين ص/ ١٠. حركة التصحيح اللغوية ص/ ٢٣٣. معجم الأخطاء الشائعة ص/ ٢٦٨. العربية الحيحة ص / ١٤٩.
[ ٤٥٢ ]
كيف أصبحت: (١)
ذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية النقول عن الإمام أحمد، وبعض الأحاديث في جواز الابتداء بذلك بدلًا من السلام، ثم قال:
(وقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو: كيف أصبحت، وكيف أمسيت بدلًا من السلام، وأنه يرد على المبتدي بذلك، وإن كان السلام وجوابه أفضل وأكمل) اهـ.
بل البداءة بأي لفظٍ سوى «السلام» خلاف السنة، والأحاديث الواردة على خلاف ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة. وانظر في حرف الصاد: صبحك الله بالخير.
_________________
(١) (كيف أصبحت: الآداب الشرعية ١/ ٤٢٩، وعنه: غذاء الألباب ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦. وانظر في حرف الحاء: حياكم الله. والأمر بالاتباع للسيوطي.
[ ٤٥٣ ]