إتضح مِمَّا سبق أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله لَا معبود بِحَق إِلَّا إِلَه وَاحِد وَهُوَ الله وَحده لَا شريك لَهُ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ فتضمنت هَذِه الْكَلِمَة الْعَظِيمَة أَن مَا سوى الله من سَائِر المعبودات لَيْسَ بإله حق وَأَنه بَاطِل، لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق الْعِبَادَة.
وَلِهَذَا كثيرا مَا يرد الْأَمر بِعبَادة الله مقرنًا يَنْفِي عبَادَة مَا سواهُ، لِأَن عبَادَة الله لَا تصح مَعَ إشراك غَيره مَعَه قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) الْآيَة (٣٦) من سُورَة النِّسَاء.
(٢) الْآيَة (٢٥٦) من سُورَة الْبَقَرَة.
[ ٢٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ١.
وَقَالَ ﷺ "وَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَكفر بِمَا يعبد من دون الله حرم دَمه وَمَاله " ٢.
وكل رَسُول يَقُول لِقَوْمِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ ٣.
إِلَى غير ذَلِك من الْأَدِلَّة قَالَ الإِمَام ابْن رَجَب ﵀: وَتَحْقِيق هَذَا الْمَعْنى وإيضاحه أَن قَول العَبْد: لَا إِلَه إِلَّا الله يَقْتَضِي أَن لَا إِلَه لَهُ غير الله والإله هُوَ الَّذِي يطاع فَلَا يَعْصِي هَيْبَة لَهُ إجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء وتوكلا عَلَيْهِ وسؤالًا مِنْهُ وَدُعَاء لَهُ وَلَا يصلح ذَلِك كُله إِلَّا الله عزوجل.
وَلِهَذَا لما قَالَ النَّبِي ﷺ لكفار قُرَيْش: " قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله"، قَالُوا:
_________________
(١) الْآيَة (٣٦) من سُورَة النَّحْل.
(٢) صَحِيح مُسلم رقم (٢٣) . كتاب الْإِيمَان.
(٣) الْآيَة (٥٩) من سُورَة الْأَعْرَاف.
[ ٢١ ]
﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
ففهموا من هَذِه الْكَلِمَة أَنَّهَا تبطل عبَادَة الْأَصْنَام كلهَا وتحصر الْعِبَادَة لله وَحده وَهُوَ لَا يُرِيدُونَ ذَلِك، فَتبين بِهَذَا الْمَعْنى أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله ومقتضاها إِفْرَاد الله بِالْعبَادَة وَترك عبَادَة مَا سواهُ، فَإِذا قَالَ العَبْد: لَا إِلَه إِلَّا الله فقد أعلن وجوب إِفْرَاد الله بِالْعبَادَة وَبطلَان مَا سواهُ والقبور والأولياء وَالصَّالِحِينَ، وَبِهَذَا لَا يبطل مَا يعْتَقد عباد الْقُبُور الْيَوْم وأشباههم من أَن معنى لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْإِقْرَار بِأَن الله مَوْجُود أَو أَنه هُوَ الْخَالِق الْقَادِر على الأختراع وَأَشْبَاه ذَلِك. وَأَن مَعْنَاهَا لَا حاكمية إِلَّا لله ويظنون أَن من اعْتقد ذَلِك وَفسّر بِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله فقد حقق التَّوْحِيد الْمُطلق وَلَو فعل مَا فعل من عبَادَة غير الله والإعتقاد بالأموات والتقرب إِلَيْهِم بالذبائح وَالنُّذُور وَالطّواف بقبورهم والتبرك بتربتهم، وَمَا شعر هَؤُلَاءِ أَن كفار الْعَرَب الْأَوَّلين يشاركونهم فِي هَذَا الإعتقاد ويعرفون أَن الله هُوَ خَالق الْقَادِر على الإختراع ويقرون بذلك وَأَنَّهُمْ مَا عبدُوا غَيره إِلَّا لزعمهم أَنهم يقربونهم إِلَى الله
_________________
(١) الْآيَة (٥) من سُورَة ص.
[ ٢٢ ]
زلفى لَا أَنهم يخلقون وَيُرْزَقُونَ فالحاكمية جُزْء من معنى لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَيْسَت هِيَ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ الْمَطْلُوب فَلَا يَكْفِي الحكم بالشريعة فِي الْحُقُوق وَالْحُدُود والخصومات مَعَ وجود الشّرك فِي الْعِبَادَة.
وَلَو كَانَ معنى لَا إِلَه إِلَّا الله مَا زَعمه هَؤُلَاءِ لم يكن بَين الرَّسُول ﷺ وَبَين الْمُشْركين نزاع بل كَانُوا يبادرون إِلَى إِجَابَة الرَّسُول ﷺ إِذا قَالَ لَهُم أقرُّوا بِأَن الله هُوَ الْقَادِر على الإختراع أَو أقرُّوا أَن الله مَوْجُود. أَو قَالَ لَهُم تحاكموا إِلَى الشَّرِيعَة فِي الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والحقوق وَسكت عَن الْعِبَادَة. وَلَكِن الْقَوْم وهم أهل اللِّسَان الْعَرَبِيّ فَهموا أَنهم إِذا قَالُوا (لَا إِلَه إِلَّا الله) فقد أقرُّوا بِبُطْلَان عبَادَة الْأَصْنَام وَأَن هَذِه الْكَلِمَة لَيست مُجَرّد لفظ لَا معنى لَهُ، وَلِهَذَا نفروا مِنْهَا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
كَمَا قَالَ الله عَنْهُم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ
_________________
(١) الْآيَة (٥) من سُورَة ص.
[ ٢٣ ]
أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١.
فعرفوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله تَقْتَضِي ترك عبَادَة مَا سوى الله وإفراد الله بِالْعبَادَة، لَو قالوها على عبَادَة الْأَصْنَام لتناقضوا مَعَ أنفسهم واستمروا على عبَادَة التَّنَاقُض، وَعباد الْقُبُور الْيَوْم لَا يأنفون من هَذَا التَّنَاقُض الشنيع فهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ ينقضونها بِعبَادة الْأَمْوَات والتقرب إِلَى الأضرحة بأنواع من الْعِبَادَات فتبًا لمن كَانَ أَبُو جهل وَأَبُو لَهب أعلم مِنْهُ بِمَعْنى لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَالْحَاصِل أَن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة عَارِفًا لمعناها عَاملا بمقتضاها ظَاهرا وَبَاطنا من نفى الشّرك وَإِثْبَات الْعِبَادَة لله مَعَ الإعتقاد الْجَازِم لما تضمنته وَالْعَمَل بِهِ فَهُوَ الْمُسلم حَقًا، وَمن قَالَهَا وَعمل بهَا وبمقتضاها ظَاهرا من غير اعْتِقَاد لما دلّت عَلَيْهِ فَهُوَ مُنَافِق، وَمن قَالَهَا بِلِسَانِهِ وَعمل بِخِلَافِهَا من الشّرك الْمنَافِي لَهَا فَهُوَ الْمُشرك المتناقض فلابد مَعَ النُّطْق بِهَذِهِ الْكَلِمَة من معرفَة مَعْنَاهَا، لِأَن ذَلِك وَسِيلَة للْعَمَل بمقتضاها قَالَ تَعَالَى:
_________________
(١) الْآيَتَانِ (٣٥/٣٦) من سُورَة صافات.
[ ٢٤ ]
﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وَالْعَمَل بمقتضاها هُوَ عبَادَة الله وَالْكفْر بِعبَادة مَا سواهُ وَهُوَ الْغَايَة الْمَقْصُود من هَذِه الْكَلِمَة؛ وَمن يَقْتَضِي لَا إِلَه إِلَّا الله قبُول تشريع الله فِي الْعِبَادَات والمعاملات والتحليل وَالتَّحْرِيم، ورفض تشريع من سواهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.
فلابد من قبُول تشريع الله فِي الْعِبَادَات والمعاملات وَالْحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ فِي الْأَحْوَال الشخصية وَغَيرهَا رفض القوانين الوضيعة، وَمعنى ذَلِك رفض الْجَمِيع الْبدع والخرافات الَّتِي يبتدعها ويروجها شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ فِي الْعِبَادَات وَمن تقبل شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ مُشْرك كَمَا قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
_________________
(١) الْآيَة (٨٦) من سُورَة الزخرف
(٢) الْآيَة (٢١) من سُورَة شُورَى.
[ ٢٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢.
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ: تلى هَذِه الْآيَة على عدي بن حَاتِم الطَّائِي ﵁ فَقَالَ: " يَا رَسُول الله لسنا نعبدهم، قَالَ: أَلَيْسَ يحلونَ لكم مَا حرم الله فَتحِلُّونَهُ، ويحرمون مَا أحل الله فَتُحَرِّمُونَهُ، قَالَ: بلَى_ قَالَ النَّبِي ﷺ: فَتلك عِبَادَتهم " ٣.
قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن ﵀: فَصَارَت طاعتهم فِي الْمعْصِيَة عبَادَة لغير الله وَبهَا اتخذوهم أَرْبَابًا الْمنَافِي للتوحيدالذي هُوَ مَدْلُول شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا
_________________
(١) الْآيَة (١٢١) من سُورَة الْأَنْعَام.
(٢) الْآيَة (٣١) من سُورَة التَّوْبَة
(٣) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ رقم (٣٠٩٤) . فِي التَّفْسِير
[ ٢٦ ]
الله فَتبين أَن كلمة الْإِخْلَاص نفت هَذَا كُله امنافاته لمدلول هَذِه الْكَلِمَة١.
وَكَذَلِكَ يجب رفض التحاكم القوانين لِأَنَّهُ يجب التحاكم إِلَى كتاب الله وَترك التحاكم إِلَى مَا عداهُ من النّظم والقوانين البشرية
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ ٣. وَقد حكم سُبْحَانَهُ بِكفْر من لم يحكم بِمَا أنزل الله وبظلمه وفسقه. وَنفى عَنهُ الْإِيمَان مِمَّا يدل على أَن الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله إِذا كَانَ الْحَاكِم بِهِ يستبيحه أَو يرى أَنه أصلح من حكم الله وَأحسن فَهَذَا كفر وشرك يُنَافِي التَّوْحِيد ويناقض لَا إِلَه إِلَّا الله تَمام المناقضة - وَإِن كَانَ
_________________
(١) فتح الْمجِيد (١٠٧) .
(٢) سُورَة النِّسَاء الْآيَة (٥٩) .
(٣) سُورَة الشورى الْآيَة (١٠) .
[ ٢٧ ]
لَا يستبيح ذَلِك ويعتقد أَن حكم الله هُوَ الَّذِي يجب الحكم بِهِ - وَلَكِن حمله الْهوى على مُخَالفَته فَهَذَا كفر أَصْغَر وشرك أَصْغَر يُنقض معنى لَا إِلَه إِلَّا الله ومقتضاها.
إِذا فَلَا إِلَه إِلَّا الله مَنْهَج متكامل يجب أَن يسيطر على حَيَاة الْمُسلمين وَجَمِيع عباداتهم وتصرفاتهم فَلَيْسَتْ لفظا يردد للبركة والأوراد الصباحية والمسائية بِدُونِ فهم لمعناه وَعمل بِمُقْتَضَاهُ وَالسير على منهجه كَمَا يَظُنّهُ كثير مِمَّن يتلفظون بهَا بألسنتهم ويخالفونها فِي معتقداتهم وتصرفاتهم.
وَمن مُقْتَضى لَا إِلَه إِلَّا الله أثبات أَسمَاء الله وَصِفَاته الَّتِي سمي وَوصف بهَا نَفسه أَو سَمَّاهُ وَوَصفه بهَا رَسُوله ﷺ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
قَالَ فِي الْفَتْح الْمجِيد: أصل الْإِلْحَاد فِي كَلَام الْعَرَب الْعُدُول عَن الْقَصْد والميل والجور والإنحراف وَأَسْمَاء
_________________
(١) سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة (١٨٠) .
[ ٢٨ ]
الرب تَعَالَى كلهَا وأوصاف تعرف بهَا تَعَالَى إِلَى عباده ودلت على كَمَاله جلّ وَعلا.
وَقَالَ رَحمَه الله١ فالإلحاد فِيهَا مَا يجحدها وإنكارها، وَأما يجْحَد مَعَانِيهَا وتعطيها، وَأما بتحريفها عَن الصَّوَاب وإخراجها عَن الْحق بالتأويلات، وَأما أَن يَجْعَلهَا أَسمَاء لهَذِهِ الْمَخْلُوقَات كالحاد أهل الإتحاد فَإِنَّهُم جعلوها أَسمَاء هَذَا الْكَوْن محمودها ومذمومهاانْتهى.
فَمن ألحد فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته بالتعطيل والتأويل أَو التَّفْوِيض وَلم يعْتَقد مَا دلّت عَلَيْهِ من المعني الجليلة من الْجَهْمِية والمعتزلة والأشاعرة فقد خَالف مَدْلُول لَا إِلَه إِلَّا الله - لِأَن الْإِلَه هُوَ الَّذِي يدعى ويتوسل إِلَيْهِ بأسمائه وَصِفَاته - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ أَسمَاء وَلَا صِفَات كَيفَ يكون إِلَهًا وَكَيف يدعى وبماذا يدعى
قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم: "تنَازع النَّاس فِي كثير
_________________
(١) فتح الْمجِيد ص ٥٣٧ - ٥٣٨. وَانْظُر مدارج السالكين (١/٢٩ - ٣٠) لَان الْقيم.
[ ٢٩ ]
من الْأَحْكَام وَلم يتنازعوا فِي آيَات الصِّفَات وأخبارها فِي مَوضِع وَاحِد بل اتّفق الصَّحَابَة والتابعون على إِقْرَارهَا وإمرارها مَعَ فهم مَعَانِيهَا وَإِثْبَات حقائقها، وَهَذَا يدل على أَنهم أعظم النَّوْعَيْنِ بَيَانا وَأَن الْعِنَايَة ببيانها أهم، لِأَنَّهَا من تَمام تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ وإثباتها من لَوَازِم التَّوْحِيد فبينها الله ﷾ وَرَسُوله بَيَانا شافيًا لَا يَقع فِيهِ لَيْسَ".
وآيات الْأَحْكَام لَا يكَاد يفهم مَعَانِيهَا إِلَّا الْخَاصَّة من النَّاس.
وَأما آيَات الصِّفَات فيشترك فِي فهم مَعْنَاهَا الْخَاص وَالْعَام، أَعنِي فهم أصل الْمَعْنى لَا فهم الكنه والكيفيفة١.
وَقَالَ أَيْضا: وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بِالْفطرِ والعقول السليمة والكتب السماوية أَن فَاقِد صِفَات الْكَمَال لَا يكون إِلَهًا وَلَا مُدبرا وَلَا رَبًّا، بل هُوَ مَذْمُوم معيب نَاقص، لَيْسَ لَهُ الْحَمد لَا فِي الأولى وَلَا فِي الْآخِرَة، وَإِنَّمَا الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة لمن لَهُ صِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال الَّتِي لأَجلهَا
_________________
(١) مُخْتَصر الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة (١/١٥) .
[ ٣٠ ]
اسْتحق الْحَمد، وَلِهَذَا سمي السّلف كتبهمْ الَّتِي صنفوها فِي السّنة وَإِثْبَات صِفَات الرب وعلوه فِي خلقه وَكَلَامه وتكليمه توحيدًا، لِأَن نفي ذَلِك وإنكاره وَالْكفْر بِهِ إِنْكَار للصانع وَجحد لَهُ، وَإِنَّمَا تَوْحِيد إِثْبَات صِفَات كَمَاله وتنزيهه عَن التَّشْبِيه والنقائض١.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/٢٦) .
[ ٣١ ]