لهَذِهِ الْكَلِمَة إِذا قيلت بِصدق وإخلاص وَعمل
[ ٤٠ ]
بمقتضاها ظَاهرا وَبَاطنا آثَار حميدة على الْفَرد وَالْجَمَاعَة من أهمها: -
١ - - اجْتِمَاع الْمُسلمين الَّتِي ينْتج عَنْهَا حُصُول الْقُوَّة للْمُسلمين والانتصار على عدوهم لأَنهم يدينون بدين وَاحِد وعقيدة وَاحِدَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
والاحتلاف فِي العقيدة بِسَبَب التَّفَرُّق والنزاع والتناحر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.وَقَالَ تَعَالَى:
_________________
(١) االآية رقم (١٠٣) من سُورَة آل عمرَان.
(٢) الْآيَتَانِ رقم (٦٢ - ٦٣) . من سُورَة الْأَنْفَال.
(٣) الْآيَة رقم (١٥٩) . من سُورَة الْأَنْعَام.
[ ٤١ ]
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١.
فَلَا يجمع النَّاس سوى عقيدة الْإِيمَان والتوحيد الَّتِي هِيَ مَدْلُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَاعْتبر ذَلِك بِحَالَة الْعَرَب قبل الْإِسْلَام وَبعده.
٢ - - توفر الْأَمْن والطمأنينة فِي الْمُجْتَمع الموحد الَّذِي يدين بِمُقْتَضى لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَن كل من افراده يَأْخُذ مَا أحل الله لَهُ وَيتْرك مَا حرم الله عَلَيْهِ تفاعلًا مَعَ عقيدته الَّتِي تملئ عَلَيْهِ ذَلِك فينكف عَن الاعتداء وَالظُّلم والعدوان وَيحل مَحل ذَلِك التعاون والمحبة والمولاة فِي الله عملا بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢.
يظْهر هَذَا جليًا فِي حَالَة الْعَرَب قبل أَن يدينوا بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَبعد مَا دانوا بهَا فقد كَانُوا من قبل أعداؤ متناحرين يفتخرون بِالْقَتْلِ والنهب وَالسَّلب فلماذا دانوا بهَا أَصْبحُوا إخْوَة متحابين كَمَا قَالَ تَعَالَى:
_________________
(١) الْآيَة رقم (٥٣) . من سُورَة الْمُؤْمِنُونَ.
(٢) الْآيَة رقم (١٠) . من سُورَة الحجرات.
[ ٤٢ ]
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿َاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ٢.
٣ - - حُصُول السِّيَادَة والاستخلاف فِي الأَرْض وصفاء الدّين والثبوت أَمَام تيارات الأفكار والمبادئ الْمُخْتَلفَة - كَمَا قَالَ الله تَعَالَى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٣.
فَربط سُبْحَانَهُ حُصُول هَذِه المطالب الْعَالِيَة بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي هُوَ معنى وَمُقْتَضى لَا إِلَه إِلَّا الله.
_________________
(١) الْآيَة رقم (٢٩) . من سُورَة الْفَتْح.
(٢) الْآيَة رقم (١٠٣) . من سُورَة آل عمرَان.
(٣) الْآيَة رقم (٥٥) . من سُورَة النُّور.
[ ٤٣ ]
٤ - - حُصُول الطُّمَأْنِينَة النفسية والاستقرار الذهْنِي لمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَعمل بمقتضاها لِأَنَّهُ يعبد رَبًّا وَاحِدًا يعرف مُرَاده وَمَا يرضيه فيفعله وَيعرف مَا يسخطه فيجتنبه بِخِلَاف من يعبد آلِهَة مُتعَدِّدَة كل وَاحِد مِنْهَا لَهُ مُرَاد الْأُخَر وَله تَدْبِير غير تَدْبِير الآخر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٢.
قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم ﵀: هَذَا مثل ضربه الله سُبْحَانَهُ للمشرك والموحد، فالمشرك بِمَنْزِلَة عبد يملكهُ جمَاعَة متنازعون مُخْتَلفُونَ متشاحون وَالرجل المتشاكس: السَّيئ الْخلق.
فالمشرك لما كَانَ يعبد آلِهَة شَتَّى بِعَبْد يملكهُ جمَاعَة متنافسون فِي خدمته لَا يُمكنهُ أَن يبلغ
_________________
(١) الْآيَة رقم (٣٩) . من سُورَة يُوسُف.
(٢) الْآيَة رقم (٢٩) من سُورَة الزمر.
[ ٤٤ ]
رضاهم أَجْمَعِينَ، والموحد لما كَانَ يعبد الله وَحده فَمثله عبد لرجل وَاحِد قد سلم لَهُ وَعلم مقاصده وَعرف الطَّرِيق إِلَى رِضَاهُ فَهُوَ فِي رَاحَة من تشاحن الخلطاء فِيهِ، بل هُوَ سَالم لمَالِكه من غير تنَازع فِيهِ مَعَ رأفة مَالِكه وَرَحمته لَهُ وشفقته عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وتوليته لمصالحه، فَهَل يَسْتَوِي هَذَانِ العبدان١.
٥ - - حُصُول السمو والرفعة لأهل لَا إِلَه إِلَّا الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢.
فدلت الْآيَة على أَن التَّوْحِيد علو وارتفاع وَأَن الشّرك هبوط وسفول وَسُقُوط.
قَالَ الْعَلامَة ابْن الْقيم ﵀: "شبه الْإِيمَان والتوحيد فِي علو وسعته وشرفه بالسماء الَّتِي هِيَ مصعده ومهبطه، فَمِنْهَا هَبَط إِلَى الأَرْض وإليها
_________________
(١) أَعْلَام الموقعين (١/١٨٧) .
(٢) الْآيَة رقم (٣١) . من سُورَة الْحَج.
[ ٤٥ ]
يصعد مِنْهَا، وَشبه تَارِك الْأَيْمَان والتوحيد بالساقط من السَّمَاء إِلَى أَسْفَل سافلين من حَيْثُ التَّضْيِيق الشَّديد والآلام المتركمة وَالطير الَّتِي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين الَّتِي يرسلها الله تَعَالَى وتؤزره وتزعجه وتقلقه إِلَى مظان هلاكة وَالرِّيح الَّتِي تهوي بِهِ فِي مَكَان سحيق هُوَ هَوَاهُ الَّذِي يحملهُ على إِلْقَاء نَفسه فِي أَسْفَل مَكَان وابعده عَن السَّمَاء"١.
٦ - - عصمَة الدَّم وَالْمَال وَالْعرض، لقَوْله ﷺ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " ٢، وَقَوله «بِحَقِّهَا» مَعْنَاهُ أَنهم إِذا قالوها وامتنعوا من الْقيام بِحَقِّهَا وَهُوَ أَدَاء مَا تَقْتَضِيه من التَّوْحِيد والإبتعاد عَن الشّرك وَالْقِيَام بأركان الْإِسْلَام أَنَّهَا لَا تعصم أَمْوَالهم وَلَا دِمَاءَهُمْ بل يقتلُون وَتُؤْخَذ أَمْوَالهم غنيمَة للْمُسلمين كَمَا
_________________
(١) أَعْلَام الموقعين (= ١٨٠) .
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيّ (١٣/٢١٧) . فِي الِاعْتِصَام.
[ ٤٦ ]
فعل بهم النَّبِي ﷺ وخلفاؤه.
هَذَا ولهذه الْكَلِمَة آثَار عَظِيمَة على الْفَرد وَالْجَمَاعَة فِي الْعِبَادَات والمعملات والآداب والأخلاق
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه جمعين.
[ ٤٧ ]