هو من أسماء الله تعالى، ورد بصيغة المبالغة على وزن (فيعول) من قام، يقوم بمعنى يدوم، والقيوم: الدائم، وكان من قراءة عمر بن الخطاب ﵁: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣.
يقول الرازي: إن القيوم مبالغة من القيام، وكمال المبالغة إنما عند الاستغناء به عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه؛ فثبت بهذا البرهان أنه سبحانه هو (القيوم) الحق بالنسبة إلى كل الموجودات١.
ويقول: إن تأثيره - سبحانه - في غيره بالإيجاد، والموجد بالقصد والاختيار لابد وأن يكون متصورا ماهية ذلك الشيء الذي يقصد إلى إيجاده، فثبت أن المؤثر في العالم فعال درّاك، ولا معنى للحي إلا ذاك، فثبت أنه سبحانه حي، فلهذا قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، دل بقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ على كونه عالما، وبقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على كونه قائما بذاته، مقوما لغيره، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد٢.
_________________
(١) ٢ فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٩٨. ٣ مرجع الزجاج ص ٥٦ – وقال أبو إسحاق الزجاج في هامش هذه الصفحة: قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/٢٧٧: قرأ الجمهور (القيوم) على وزن (فيعول)، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وعلقمة والنخعي والأعمش (القيام)، وفي زاد المسير ١/٣٠٢: وبه قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن أبي عبلة والأعمش. ١ شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٥ ٢ المرجع السابق ص ٣٠٥.
[ 47 - 48 / ٥٩ ]
ويقول: واعلم أنه لما ثبت كونه سبحانه قيوما، فهذه القيومية لها لوازم، ويجملها في خمس، أوجزها فيما يلي:
اللازمة الأولى: أن واجب الوجود واحد، وهو الله تعالى، بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، إذ لو كانت كذلك لافتقرت إلى كل جزء منها، وكل جزء غيره سبحانه، والمركب متقوم بغيره، فلا يكون إذا متقوما بذاته، ولا مقوما لسواه، ومن ثم لا يكون على الإطلاق قيوما.
اللازمة الثانية: أن لا يكون سبحانه في محل، فيكون حالا، والحال مفتقر إلى المحل، وإذا كان مفتقرا فلا يكون على الإطلاق قيوما.
اللازمة الثالثة: ما دام أنه سبحانه قيوم، فهو قائم بنفسه، عالم بذاته، وذاته مؤثرة في غيره، وهذا يقتضي علمه بكل الموجودات، فكان قيوما عليها.
اللازمة الرابعة: ما دام أنه سبحانه قيوم على كل ما سواه، فكل ما سواه متقوم به، أي موجود بإيجاده.
اللازمة الخامسة: وما دام أنه سبحانه قيوم بالنسبة إلى كل الممكنات، استند كل الممكنات إليه.
وإذا عرفت هذا، فالقيوم من حيث إنه يدل على تقومه بذاته يدل على وجوده الخاص به، ويدل على استغنائه عن غيره٣.
أقول: يخلص من كلام الرازي أن اسم (القيوم) يعني تفرد الله جل وعلا بذاته وقيوميته على كل ما سواه، بحيث تكون جميعها متقومة به، ومفتقرة افتقارا كاملا دائما إليه سبحانه، فضلا عن أنه متقوما بذاته، وغني غنى كاملا عمن سواه.
وقد ورد اسم (القيوم) في القرآن الكريم ثلاث مرات٤، على النحو التالي:
١- في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .
_________________
(١) ٣ المرجع السابق ص ٣٠٥- ٣٠٧ بتصرف. ٤ المعجم المفهرس ص ٥٨٠.
[ 47 - 48 / ٦٠ ]
وقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن معنى (القيوم): القيم لغيره، ولا قوم للموجودات بدون أمره١.
وذكر الإمام الشوكاني في الآية المذكورة أن (القيوم): القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره. وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه. وقيل: هو الذي لا ينام. وقيل: الذي لا بديل له٢.
١- وفي قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران آية ١، ٢) .
وقد ذكر الإمام الشوكاني في هذه الآية أن ابن جرير وابن أبي حاتم أخرجا في معنى (القيوم): القائم الذي لا بديل له، كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله (القيوم): القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له٣.
٢- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه آية ١١١) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن (القيوم) هو الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، ولا قوام لشيء إلا به٤.
أقول: وقد اقترن اسم (القيوم) في هذه الآيات الثلاث باسم (الحي) واقترانهما له دلالة عظيمة، ذلك أن اسم (الحي) يشمل جميع صفات الكمال الذاتية لله ﷿، واسم (القيوم) يشمل جميع صفات الكمال الفعلية له سبحانه، وجمع النوعين من صفات الكمال الذاتية والفعلية، جمع لكل صفات الكمال المطلقة بصورها المتعددة؛ لهذا كان من دعاء الله جل وعلا بهذين الاسمين (الحي القيوم) له من الأهمية البالغة ما لو علمه العبد لما انقطع من الدعاء بها البتة؛ فقد ذكر الإمام ابن كثير عن أبي أمامة مرفوعا: (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه) ٥.
_________________
(١) ١ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٨. ٢ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧١. ٣ المرجع السابق ص ٢٧٣. ٤ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٦. ٥ المرجع السابق ص ٢١٨.
[ 47 - 48 / ٦١ ]
وذكر الإمام الرازي أنه روي عن ابن عباس أنه كان يقول: (أعظم أسماء الله: الحي القيوم) ٦.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآتين - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - إن فيهما اسم الله الأعظم) ١.
كما ذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ كالينبوع لجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت الآيات المشتملة على هذين اللفظين في الشرف إلى المقصد الأقصى٢.
وقد ورد الاسمان الكريمان (الحي القيوم) أول ما وردا في كتاب الله العزيز في أعظم آية منه، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا، ثم قال: "آية الكرسي"، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر؛ والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش"، وقد رواه الإمام مسلم، وليس عنده زيادة "والذي نفسي بيده.."٣.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر جندب بن جنادة – في بعض حديث له: ( قلت: يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي": ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾)، ورواه النسائي٤.
وأخرج الإمام البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكر (أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾، حتى انفضت الآية) .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ".
_________________
(١) ٦ شرح أسماء الله الحسنى ص ٣٠٧. ١ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤. ٢ المرجع السابق ص ٣٠٧. ٣ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧ – وفتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٣. ٤ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧.
[ 47 - 48 / ٦٢ ]
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه؛ آية الكرسي"، قال الحاكم: صحيح الإسناد٥.
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى اله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى اله عليه وسلم إنه سيعود؛ فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى اله عليه وسلم: "يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله! شكا حاجة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود؛ فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها! قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .. حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح؛ فخليت سبيله، فأصبحت؛ فقال لي رسول الله ﷺ: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها؛ فخليت سبيله، قال: "وما هي؟ "، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير؛ فقال النبي ﷺ: "أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذاك شيطان"١.
أقول: يخلص مما سبق أن الاسمين الكريمين - (الحي) و(القيوم) - قد وردا في القرآن الكريم مقترنين في مواضع ثلاث من سور البقرة، وآل عمران، وطه؛ ليفيدا
_________________
(١) ٥ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤. ١ صحيح البخاري.
[ 47 - 48 / ٦٣ ]
اتصاف الله جل وعلا - وهما كلمتان فحسب - بصفتي الحياة والقيومية؛ فالأولى تثبت له تعالى جميع صفات الكمال الفعلية المطلقة، ومن ثم وصفها الرسول ﷺ بأنهما يعبران عن اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فنسألك اللهم (يا حي يا قيوم) أن ترينا الحق حقا وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلا وترزقنا اجتنابه، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وأن تثبت قلوبنا على دينك، وأن تصرفها على طاعتك، وأن تختم لنا بخاتمة الإيمان.
[ 47 - 48 / ٦٤ ]