تمهيد: تاريخ الجعد بن درهم ١
لا يوجد إلا النزر القليل جدًا من المعلومات التي تسلط الضوء على تاريخ هذا المبتدع الضال، ولقد كان من الصعوبة بمكان البحث في بطون كتب التراجم والأنساب والتاريخ والمقالات والعقائد عن جوانب حياة هذا الرجل، فتلك الكتب لم تعره قدرًا من العناية والاهتمام إلا بالقدر الذي يتعلق ببدعته التي أظهرها ودعا إليها وعُرف بها، مع بعض الإشارات المتفرقة والبسيطة عن حياته.
ولقد بذلت جهدي ومستطاعي للنظر في مظان ترجمته وراجعت العديد من المصادر والمراجع في شتى الفنون، بحثًا عن معلومات يمكن من خلالها إعطاء صورة واضحة عن سيرته الذاتية وأفكاره الاعتقادية. فاجتمع لي من ذلك ما تيسر.
_________________
(١) مصادر ترجمته: مختصر تاريخ ابن عساكر ٦/٥٠، الكامل في التاريخ ٥/٢٦٣، البداية والنهاية ٩/٣٥٠، الأنساب للسمعاني ٣/٢٦٥، اللباب لابن الأثير ١/٢٣٠، ديوان الضعفاء ص٦٣، ميزان الاعتدال ١/١٨٥، لسان الميزان ٢/١٠٥، تاج العروس ٢/٣٢١، تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٠٢، ٧/٣٣٧،٣٣٨)، النجوم الزاهرة ١/٣٢٢، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص٢٩٣،٢٣٤، الأعلام ٢/١٢٠، سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٣، تاريخ الخميس ٢/٣٢٢، المنتظم ٧/٢٦٠، الفهرست للنديم ص٤٠١، شذرات الذهب ١/١٦٩، ١٧٠، عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧، ذم الكلام للهروي ص٣٠٤-٣٠٥، نشأة الفكر الإسلامي ١/٣٢٩،٣٣٢، كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص٤٧،٥٦، أنساب الأشراف ٨/٢٤١، الرد على الجهمية للدارمي ص١١٠، الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠،١٠٧٢.
[ ١٣٢ ]
وسأحاول من خلال هذه الدراسة، تحليل وترتيب ما اجتمع لدي من معلومات جمعت شتاتها بعد كد وعناء، فلعلها تفيد من يطلع عليها من الباحثين وطلاب العلم، فتعطيهم صورة عن حياة الجعد ومقالاته وموقف العلماء والحكام منه.
واستسمحهم عذرًا في عدم إعطاء الصورة كاملة عن الجعد بن درهم وعذري هو ما أسلفت من شح المعلومات وندرتها.
[ ١٣٣ ]
المطلب الأول: اسمه ونسبه
لم تذكر المصادر والمراجع التي وقفت عليها إلا اسمه واسم أبيه فقط فهو "الجعد بن درهم"
وأشارت المصادر إلى أنه من الموالي١ وليس من العرب ولعل في كونه من الموالي ما يبرر اقتصار نسبه على اسمه واسم أبيه، فالعجم في الغالب لم تكن لهم عناية بحفظ أنسابهم بخلاف ما كان عليه الحال عند العرب.
وقد اختلف في ولائه لأي قبائل العرب:
فقال السمعاني٢ والزبيدي٣ وابن الأثير٤: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة)
وقال ابن كثير (ويقال إنه من موالي بني مروان)
وكذا قال الثعالبي٦
_________________
(١) الموالى: هم المنسوبون إلى القبائل مطلقًا، وهم ثلاثة أقسام:
(٢) ولاء عتق: وهو الغالب بحيث ينسب إلى من أعتقه. ٢ - ولاء إسلام: وذلك بأن يسلم الأعجمي على يد عربي. ٣- ولاء الحلف: وذلك بأن يكون الشخص حليفًا لقبيلة فينسب إليها. انظر المنهل الراوي من تقريب النواوي ص١٩٩-٢٠٠.
(٣) الأنساب ٣/٢٦٥.
(٤) تاج العروس ٢/٣٢١.
(٥) اللباب ١/٢٣٠.
(٦) البداية ٩/٣٥٠.
(٧) لطائف المعارف ص٤٣.
[ ١٣٤ ]
نسبه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أحد خلفاء بني أمية. وقال ابن نباتة (هو مولى بني الحكم) ١ نسبة إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي.
وهذه الأقوال متضاربة فالسمعاني والزبيدي وابن الأثير جزموا بولائه لسويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي.٢ والجعفي: بطن من سعد العشيرة، من القحطانية٣ وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن كثير ولم يجزم به والثعالبي حيث قالا: (ويقال إنه من بني مروان) وكذا قول ابن نباتة إنه مولى بني الحكم.
ولعل الصواب الذي يترجح عندي ما ذكره السمعاني والزبيدي وابن الأثير، فهم أدرى بهذا الجانب وعنايتهم به أكبر وقد جزموا بنسبته إلى سويد بن غفلة.
ويساورني الشك أن هناك تصحيفًا في كلام ابن كثير في البداية، عند قوله: (بني مروان) فلعل الصواب (بني مران) بدون واو، ولو كان الأمر كذلك فإن الأقوال تجتمع (فبنوا مران) بطن من جعفي، من سعد العشيرة٤ والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص١٩٣.
(٢) يكنى أبا أمية، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي ﷺ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة. انظر تقريب التهذيب ص١٤١، الإصابة ٢/١١٧، الاستيعاب ٢/١١٥،١١٦.
(٣) نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص٢١٦.
(٤) نهاية الأرب ص٤١٨.
[ ١٣٥ ]