ردود على بعض الشبه
وإن مما يؤسف له أن بعض الكتاب المعاصرين حاول الطعن في ثبوت قصة قتل الجعد من جهة إسنادها، وتحامل في الوقت نفسه على خلفاء بني أمية وكذا على خالد القسري، وطعن بطعون، لم يكن هو السابق إليها وإنما هو مقلد لغيره فيها. ومجارٍ لبعض من سبقه من الكتاب. وسأتعرض لهذه الطعون وأرد عليها بما يفتح الله علي في ذلك.
قال صاحب كتاب قصص لا تثبت "مشهور بن حسن" في الجزء الثالث، الباب الخامس: "من قصص الأمراء والسلاطين" القصة "التاسعة والعشرون" "ذبح خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم" ٣/٢٥١-٢٥٦. قال تحت عنوان "تنبيهات هامة"
"ومما يضعف هذه القصة أمور منها":
أولًا: هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد.
ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/٤٣٢) عقب القصة: "قلت: هذه من حسناته"
ثالثًا: لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك- هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.
[ ١٨١ ]
رابعًا: الذي يهمنا هنا تقرير وتأكيد أن هذه الحادثة مع تعليل القتل الذي فيها لم يرد إلينا بإسناد نظيف، والله الهادي.)
قلت: جانب المؤلف الصواب في هذه التنبيهات وسأعلل للقارئ الكريم وطلاب العلم ذلك من خلال الرد على كل فقرة من الفقرات التي ذكرها.
_________________
(١) قصص لا تثبت ٣/٢٥٦، الناشر: دار الصميعي.
[ ١٨٢ ]
المطلب الأول: المغالطة الأولى
ذكر المؤلف في الفقرة الأولى: "أن هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد".
والجواب على ذلك:
هذه أولى الشبه حيث سوى بين علم الحديث وعلم التاريخ في منهج النقد وأراد أن يطبق منهج المحدثين تطبيقًا حرفيًا في نقد الروايات التاريخية، وهذا خطأ جسيم وأمر لا يسلم به لا علماء الحديث ولا التاريخ، وأعطى للقارئ الكريم نقلًا واحدًا يدل على فساد زعم ال
مؤلف أن هذه القصة غير ثابتة على معايير أهل النقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد "ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" وفي لفظ "ليس لها أسانيد" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره.) ١ انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
قلت: هذه معايير أهل النقد يبينها ابن تيمية:
١- أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.
٢- تعدد طرقه.
_________________
(١) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص١٦-١٧. ط: الدار العلمية، الهند.
[ ١٨٣ ]
والقصة التي معنا اجمتع فيها الشرطان:
١- شهرتها عند أهل الفن: وقد شهد بذلك الذهبي حيث قال: وهذه قصة مشهورة رواها قتيبة بن سعيد والحسن بن الصباح وعثمان بن سعيد الدارمي عن ابن أبي سفيان المعمري١. وقال في ميزان الاعتدال (والقصة مشهورة)
وقال ابن كثير بعد أن ذكر القصة: (وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي وعبد الله بن أحمد وذكره ابن عساكر في التاريخ) ٣ وقال في موضع آخر ذكر فيه القصة: (وقد روى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، وابن أبي حاتم في السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة..) ٤ وذكر القصة.
فهذه شهادة من عالمين من علماء هذا الفن، وقد نقل المؤلف هذه الشهادات، ووضعها تحت عنوان: "شهرة القصة" ولكن -والله أعلم- يبدو أنه لم يتنبه لمعنى هذه العبارة ودلالتها في معايير أهل النقد.
وهنا يحق لنا أن نتمثل بقول الشاعر:
_________________
(١) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٢٠، ٧/٣٣٧،٣٣٨ ت٣٤٣.
(٢) ١/٣٩٩.
(٣) البداية ٩/٣٥٠.
(٤) البداية ١٠/١٩.
[ ١٨٤ ]
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ولذلك فإني أقول إن المؤلف جازف بقوله: (فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد) فيجب عليه الرجوع إلى معايير نقد الروايات التاريخية، ويفرق بينها وبين معايير المحدثين قبل أن يخوض في المسألة بمثل هذا الخوض المجانب للصواب.
٢- وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو "تعدد الطرق" وقصة قتل الجعد جاءت من طريقين سبق ذكرهما وقد ذكرهما الذهبي في العلو للعلي الغفار وذكرها المؤلف في كتابه.
وبما أن القصة قد تحقق فيها شرط الشهرة وشرط تعدد الطرق. فهي كما ذكر شيخ الإسلام تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت المؤلف المذكور أمعن النظر في تعليق الألباني على العلو للذهبي، حيث قال معلقًا على صنيع ابن أبي حاتم في رواية هذه القصة عن عيسى بن أبي عمران مع قوله في الجرح والتعديل: (كتبت عنه بالرملة، فنظر أبي في حديثه، فقال: يدل حديثه أنه غير صدوق، فتركت الرواية عنه) ١ فقال الألباني: (قلت: ولعل روايته عنه هذه القصة، لأنها ليست حديثًا مرفوعًا، والله أعلم) ٢ انتهى كلام الألباني، وكلامه يدل على التفريق بين
_________________
(١) ٦/٢٨٦.
(٢) مختصر العلو ص١٣٤.
[ ١٨٥ ]
الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.
قال ابن تيمية ﵀: (فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما الاسرائليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها.) ١ بل حتى في فن الحديث يفرق بين الأحاديث المتعلقة بالعقائد والأحكام والحلال والحرام والسنن والأحاديث المتعلقة بفضائل الأعمال والترغيب والترهيب والدعوات، فيتساهل في أسانيد هذه ويتشدد في أسانيد تلك.
قال شيخنا الشيخ حماد بن محمد الأنصاري: (إن الحديث إذا لم يتضمن عقيدة ولا حلالًا ولاحرامًا جاز العمل به في الفضائل، لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد إذا كان لهذه الفضيلة أصل في الشرع.٢
قال الحاكم قال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحث والدعوات تساهلنا في الأسانيد٣
وقال الإمام أحمد: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد.٤
وقد ذكر البيهقي أقسام الخبر وقال: وضرب لا يكون راويه متهمًا
_________________
(١) الرد على البكري ص٢٠.
(٢) رفع الإشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة ص٣٦.
(٣) المستدرك كتاب الدعاء ١/٤٩٠.
(٤) المدخل إلى الصحيحين للحاكم.
[ ١٨٦ ]
بالوضع غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ويكون مجهولًا لم يتثبت من عدالته وشرائط قبوله ما يوجب القبول، فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم)
فإذا كان يُفرق بمثل هذا التفريق داخل فن الحديث، فما بال المؤلف المذكور يخلط مثل هذا الخلط ويصدر حكمه الجائر فيقول: "غير ثابتة على معايير أهل النقد" فيا ليته على أقل أحواله رضي بحكم الألباني حيث قال: "لكنه يتقوى بالذي بعده فإن إسناده خير منه، ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة.." وهذا كلام رصين متين فالألباني يعترف بجزم العلماء بهذه القصة، وأنت أيها التلميذ تجزم بعدم ثبوتها!!!
ثم إنه لمن الغريب حقًا أنه لم يسبق لأحد من العلماء الذين ذكروا هذه القصة على كثرتهم وشهرتهم وإمامتهم، أن تعقب هذه القصة بمثل ما ذكره هذا المؤلف، فكيف مضت مئات السنين ولا نجد من ينتقد هذه القصة ويطعن في ثبوتها، مع مرورها على أساطين المحدثين والمؤرخين، وهم الأعلم والأدرى بمعايير النقد وموازينه؟
أو يعقل أنك أيها المؤلف – خبير البحث الحديث – المطتشف الوحيد لزيف هذه القصة واختلافها؟! أعتقد أن الأمر مستبعد فالأمر في حقيقته كما قال الشاعر:
وكم من عجائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
_________________
(١) مختصر العلو ص١٣٣.
[ ١٨٧ ]
وإن من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل وامتلأت به الكتب، وشاع بين الخاص والعام. وحري بهذا المؤلف وأمثاله أن لا يخوضوا في هذه المسائل وهم يعلمون أن الأئمة الكبار قد تلقوا ذلك بالقبول ولم يرد منهم اعتراض يذكر لا من قريب أو بعيد.
[ ١٨٨ ]