المطلب الأول: مقالة الخوارج
تأخر زمن ظهور مقالة التعطيل مقارنة بغيرها من المقالات المتقدمة، فلم يكن لمقالة التعطيل وجود في عصر الصحابة وكبار التابعين، وإنما تأخر ظهورها إلى أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. فمقالة تعطيل الصفات ليست بأول المقالات ظهورًا في المجتمع المسلم، فقد سبقها عدة مقالات لعل أولها مقالتا الخوارج والشيعة الذين ظهروا في آخر خلافة علي ﵁.١
ولقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول.٢ إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له: "حروراء" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: "تمرق مارقة عند فُرقة من
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٤، مجموع الفتاوى ٦/٣٣.
(٢) منهاج السنة ١/٣٠٦.
[ ٥٨ ]
المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".١
وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
"الأولى": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
"الثانية": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك.٢
وبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم.٣ وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/١١٣ ط١، دار المعرفة
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/٣١،٣٢.
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/١٠.
[ ٥٩ ]