القول الأول: نفاة جميع الصفات
وهذا قول الغلاة من المعطلة، ومنهم الجهمية أتباع جهم والفلاسفة سواء كانوا أهل فلسفة محضة كالفارابي أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية كابن سينا وإخوان الصفا أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين. وهذا القول بنفي الصفات هو قول المعتزلة ومن تبعهم كالزيدية والرافضة الإمامية والخوارج الإباضية وكذلك هو قول النجارية والضرارية.
فهؤلاء جميعًا لا يثبتون الصفات لله تعالى، وقد تنوعت أساليب تعطيلهم وطرق إنكارهم لها، ويمكن تصنيفهم إلى صنفين:
١- غلاة المعطلة٢- المعتزلة ومن وافقهم.
١- فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة.
وهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة١ وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله.٢.
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/٧-٨.
(٢) الصفدية ١/٢٩٩، ٣٠٠.
[ ٣٣ ]
وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان١ فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات.٢
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة.٣
فهؤلاء هم غلاة الغلاة٤ لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.٥
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/٧، شرح الأصفهانية ص٥١،٥٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/٨.
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٦.
(٤) مجموع الفتاوى ٣/١٠٠.
(٥) مجموع الفتاوى ٣/٧-٨.
[ ٣٤ ]
عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات)
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللاأدرية.
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.٢
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه وختامه٣
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٦.
(٢) الصفدية ١/٩٦،٩٨.
(٣) الفتوحات المكية ٤/١٤١ ط: دار صادر، بيروت.
[ ٣٥ ]
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ ١ ﴿وما علمت لكم من إله غيري﴾ ٢ وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ ٣. بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله)
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر ويفتقر إليه وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده٥
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت٦ فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد
_________________
(١) الآية ٢٤ من سورة النازعات.
(٢) الآية ٢٨ من سورة القصص.
(٣) الآية ١٤ من سورة طه.
(٤) بغية المرتاد ص٣٤٩.
(٥) فصوص الحكم ١/٨٣.
(٦) بغية المرتاد ص٣٩٧، ٣٩٨.
[ ٣٦ ]
والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين.١
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترىوذات لا ترى عين ما ترى".
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.٢
_________________
(١) بغية المرتاد ص٤٠٨.
(٢) بغية المرتاد ص٤٧٣.
[ ٣٧ ]
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه في عين الأمور مسرحا ومقيدًا١
خلاصة أقوال غلاة المعطلة
كلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:
١- الأصل الأول:
النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللاأدرية.
٢- الأصل الثاني:
أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى
_________________
(١) بغية المرتاد ص٥٢٧.
[ ٣٨ ]
الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
فكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:
١- إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
٢- وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها.
وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما.١
وهذا حال الجهمية دائمًا يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق، وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء.)
_________________
(١) بغية المرتاد ص٤١٠،٤١١.
(٢) نقض تأسيس الجهمية ٢/٤٦٧.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٣٩.
[ ٣٩ ]
ولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهالًا به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه.١
٢- المعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات٢ وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق٣ فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته.٤
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٤٨. «بتصرف»
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٣١.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٥١.
(٤) المعتزلة وأصولهم الخمسة ص١٠٠.
[ ٤٠ ]
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها.١
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية٢ والإباضية. وابن تومرت٣، وابن حزم.٤
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به.٥
النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود،
_________________
(١) المصدر السابق ص١٠١.
(٢) لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورًا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية ص٦٨.
(٣) كان أبو عبد الله محمد بن تومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية ص٢٣.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩،٢٥٠.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/١٤٧،١٤٨،٣٥٩.
[ ٤١ ]
وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.١
الضرارية:
وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه)
فكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه)
وكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن.٤
القول الثاني: نفي الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
وهو قول الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي٥ وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ١/٣٤١-٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص٢٠٧، والملل والنحل ١/٨٩،٩٠.
(٢) مقالات الإسلاميين ١/٣٣٩.
(٣) الفرق بين الفرق ص٢١٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٤/٣٥١،٣٥٢.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب- ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب) . مجموع الفتاوى ٦/٥٢١،٥٢٢.
[ ٤٢ ]
الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم.١
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته.٢
وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته٣ لا فعل ولا غير فعل.٤
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٤١١، ٦/٥٢،٥٣، ٤/١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٢.
[ ٤٣ ]
الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته.١
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات- والحوادث -أي الأمور المتعلقة بالمشيئة.٢٣
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله٤، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به.٥
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠،٥٢١.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٥.
(٣) تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٤) قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث) .
(٥) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(٦) قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(٧) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠،٥٢٥،١٤٩.
(٨) الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/٦٨، ٥/٤١٠.
(٩) مجموع الفتاوى ٦/٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/١٠٥.
[ ٤٤ ]
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِن علمه﴾ ١ وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ ٢ فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ ٤ وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا- ما فيه معنى الصفة والفعل.
كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ ٧
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
_________________
(١) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٥٨ من سورة الذاريات.
(٣) الآية ١٣ من سورة الشمس.
(٤) الآية ٢٦ من سورة الحج.
(٥) الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٦) الآية ١ من سورة المائدة.
(٧) الآية ٩٠ من سورة البقرة.
[ ٤٥ ]
١- إما قديمًا قائمًا به
٢- وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: "مسألة حلول الحوادث بذاته"١ وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
(١) - إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي٢ وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره.٣
(٢) - وإما أن يجعلوها من باب "النسب" و"الإضافة" المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط.٤
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/١٤٤،١٤٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٥/٤١٢.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/٤١٠.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/١٤٩.
[ ٤٦ ]
الصفات.١
(٣) - أو يجعلوها "أفعالًا محضة" في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة.٢
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري.٣
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا.٤
ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها.٥
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٤١١،٤١٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/١٤٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص٥١٧.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/٣٨٦.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/١٠٣٤،١٠٣٦.
[ ٤٧ ]
محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها.١
القول الثالث: من يقول بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها.
وهذا قول المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.
ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضًا للسمع، بل ما جعله معاضدًا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.٢
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/١٤٧،١٤٨.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/٩٧.
[ ٤٨ ]
فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.١ وزاد الباقلاني وإمام الحرمين الجويني صفة ثامنة هي الإدراك.٢
والصفات الثبوتية عند الماتريدية٣ هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين.٤ وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها.٥
وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقًا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان.
١- منهم من نفاه
٢- ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دلّ على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه.٦
والصفات السبع التي يثبتها هؤلاء يسمونها صفات المعاني وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٣٥٨، ٣٥٩.
(٢) تحفة المريد ص٧٦، وبعض الأشاعرة توقف فيها والبعض نفاها.
(٣) انظر إشارات المرام ص١٠٧، ١١٤، جامع المتون ١٢٠٨، نظم الفرائد ص٢٤، الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٣٩.
(٤) أثبت الماتريدية صفة التكوين وعليه فهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وأما الأشاعرة فقد نفوها. انظر تحفة المريد ص٧٥.
(٥) الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٣٩.
(٦) شرح الأصفهانية ص٩، مجموع الفتاوى ٦/٣٥٩.
[ ٤٩ ]
بسبعة منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم.١
وقد زاد بعضهم في عده للصفات فأوصلها إلى عشرين صفة وقسمها إلى أربعة أقسام:
١- صفات المعاني٢- الصفات المعنوية
٣- الصفات السلبية٤- الصفة النفسية.
فصفات المعاني تقدم ضابطها وعدها. وهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة.
فالقسم الثاني: الصفات المعنوية
وهي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه "حيًا،، عليمًا، قديرًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا" وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها.
ثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة.٢
والتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء.٣
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٥.
(٢) تحفة المريد ص٧٧.
(٣) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص١٠.
[ ٥٠ ]
٣- الصفات السلبية:
وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات.
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمسًا لا سادس لها١ وهي عندهم: القدم، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل.٢
وعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجودي. وإنما تتضمن أمرًا سلبيًا فعلى سبيل المثال:
القدم: المقصود بها نفي الحدوث
والبقاء: المقصود بها نفي الفناء
والوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له.
والقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد.
٤-الصفة النفسية:
وضابطها هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف.
وهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات.
_________________
(١) يرى بعضهم أنها ليست منحصرة في هذه الخمسة، إلا أن ما عداها راجع إليها ولو بالإلتزام، أو أن هذه مهماتها. انظر تحفة المريد ص٥٤.
(٢) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٨.
[ ٥١ ]
يقول شارح جوهرة التوحيد: (واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها.
فقولنا: "صفة" كالجنس
وقولنا: "ثبوتية" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.
وقولنا: "يدل الوصف بها على نفس الذات" معناه أنها لا تدل على شيء زائد على الذات.
وقولنا: "دون معنى زائد عليها" تفسير مراد لقولنا "على نفس الذات" ويخرج بذلك المعاني لأنها لا تدل على معنى زائد على الذات، وكذلك المعنوية" فإنها تستلزم المعاني فهي تدل على معنى زائد على الذات لاستلزامها المعاني.١
وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوضه ورم تنزيها٢
فنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها،
_________________
(١) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٥٤.
(٢) المصدر السابق ص٩١.
[ ٥٢ ]
يسمونها نصوص موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله ﷿. ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: "ورم تنزيهًا"
وشارح الجوهرة يقول: "أو فوض" أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى.١
فهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي) .٢
_________________
(١) تحفة المريد ص٩١
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩.
[ ٥٣ ]