ثم حدثت بعد ذلك بدعة "القدرية" في آخر عصر الصحابة١ وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤-٧٣هـ) بعد موت معاوية.٢
ولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع.٣ ﵃.
وابن عباس مات (٦٨هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤هـ) . وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز.٤
وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني.٥
قال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له معبد بن خالد، ويقال معبد ابن
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣٠٨.
(٢) الحسنة والسيئة ص١٠٣.
(٣) منهاج السنة ص١٠٣.
(٤) الحسنة السيئة ص١٠٣.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥.
[ ٦٤ ]
عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب.١ مات قبل التسعين٢ قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين.٣
وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني٤
قال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة٥ زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله٦ فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر.٧
(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٥) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٦) الشريعة للآجري ص٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص١٦٨.
(٧) ذم الكلام ص٣٠٣.
[ ٦٥ ]
لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) ١.
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة.٢
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين.
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٢) ذم الكلام ص٣٠٥.
[ ٦٦ ]
١- "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
٢- "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط.١
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٣٦،٣٧.
[ ٦٧ ]