للأسف الشديد أن أواخر بني أمية كانوا موالين لأهل البدع على خلاف ما كان عليه أوائلهم فالأوائل كانوا شديدين على المبتدعة لا يترددون في قمعهم فمن مواقفهم في ذلك:
١- موقف عبد الملك بن مروان مع معبد الجهني الذي كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، فصلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ثم قتله.١
٢- موقف عمر بن عبد العزيز الذي كان مقيمًا للسنة حربًا على البدع وأهلها ومواقفه في ذلك مشهورة مشكورة، ومن ذلك إحضاره لغيلان بن مسلم الدمشقي الذي تنسب إليه فرقة "الغيلانية" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان. فأحضره عمر بن عبد العزيز فاستتابه فتاب، فتركه.٢
٣- موقف هشام بن عبد الملك وقد تقدم خبره مع غيلان والجعد والجهم.
وكل من يتأمل في التاريخ يجد أن لبني أمية الأوائل أياد بيضاء في هذا الجانب، وإن كان لبعضهم هنات وزلات في جوانب أخرى، والتاريخ يشهد لهم أن راية
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥،٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/١٨٣، الاعلام ٧/٢٦٣.
(٢) الكامل لابن الأثير ٥/٢٦٣، الأعلام ٥/١٢٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/١٧٣، وانظر خبر ذلك في كتاب الشريعة للآجري ص٢٢٨-٢٢٩، والتنبيه والرد للملطي ص١٧٨، السنة لعبد الله بن احمد ٢/٤٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٧٨٨، الإبانة لابن بطة، كتاب القدر الثاني ص٢٣١، الفتاوى ٧/١٤.
[ ١٦٢ ]
السنة وعلماء السنة هم السادة في ذلك العصر، ولكل زمان دولة ورجال.
أما أواخر خلفاء بني أمية فقد كان بعضهم مواليًا لأهل البدع بل يقول بقولهم ومن أولئك:
١- يزيد بن الوليد -يزيد الثاني- والذي يلقب بيزيد الناقص وقد تولى الخلافة سنة ١٢٦هـ وكان قدريًا حتى أنه ولى على العراق منصور بن جمهور وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية١
قال ابن الأثير: (ولم يكن منصور من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية.)
وقال الشافعي: (لما ولى يزيد بن الوليد، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان) ٣ لكن خلافة يزيد لم تزد على ستة أشهر.
٢- مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار، وكان آخر خلفاء بني أمية وتولى الخلافة من سنة ١٢٧هـ - إلى ١٣٢هـ وقد تقدم أنه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. وكان يسمى بمروان الجعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها)
_________________
(١) البداية ١٠/١٤، شذرات الذهب ١/١٦٧، تاريخ ابن خلدون ٣/١٠٩،١١٢.
(٢) الكامل ٥/٢٩٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٢.
[ ١٦٣ ]
وقال أيضًا: (وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم.)
(ولذلك كان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة) .٢
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٨.
[ ١٦٤ ]