ا- مولده:
لم تسعفنا كتب التاريخ والتراجم والمقالات بشيء عن تاريخ ولادته، وليس ذلك بمستغرب، فالرجل ضال مبتدع، ولولا ما ابتدعه ما اشتهر وما عرف، إضافة إلى أن العناية بهذا الجانب تعد ضعيفة إلى حد كبير في تراجم السابقين، والجعد لم يعط عناية بتاريخ قتله فضلًا عن أن يعطى عناية بتاريخ مولده.
ب- موطنه:
إن مما لا شك فيه أن للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثرها البالغ في حياته سلبًا وإيجابًا، فالإنسان مدني بطبعه يتأثر بمن حوله، ويؤثر على من حوله، فإذا وجد الإنسان البيئة الصحيحة السليمة ساعد ذلك في تنشئته التنشئة السليمة، وإعداده الإعداد الجيد، وبنائه البناء السليم.
وإذا كان الأمر على العكس من ذلك، بحيث ينشأ المرء في بيئة منحرفة متلوثة بالأفكار الفاسدة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الشخص الذي ينشأ في هذه البيئة، فقد يتشرب تلك الأفكار ويعتقدها ويكون من حملة لوائها.
والجعد بن درهم من هذا الصنف الثاني، فبيئته التي نشأ فيها ساعدت على حمله لأفكار الضلال وتشربه لها. وسأحرر لك القول في موطنه وبلدته التي نشأ فيها ومن ثم أوضح لك مدى تأثير بيئة الجعد على ما حمله من أفكار. فأقول وبالله التوفيق:
[ ١٤٠ ]
أما من حيث المنطقة فهو ينسب إلى الجزيرة الفراتية وفي ذلك يقول الهروي: (فأما الجعد فكان جزري الأصل) ١ وهذه النسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين دجلة والفرات وإنما قيل لها جزيرة لهذا وفيها عدة بلاد منها الموصل، وحران، والرقة، وغيرها.٢
أما عن موطنه وبلده:
فالجعد بن درهم فيما قيل من أهل "حران"٣ كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران)
وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران)
_________________
(١) ذم الكلام للهروي (ق١٤٣/ا) النسخة الظاهرية حديث ٣٣٧.
(٢) الأنساب ٣/٢٤٨.
(٣) "حَرّان": بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة بين الشام والعراق ومكانها الآن في جنوب شرق تركيا وهي مدينة قديمة بين الرها والرقة، وقيل إن هاران عم ابراهيم الخليل ﵇ عمرها، فسميت باسمه وقيل "هاران" ثم إنها عربت فقيل "حران" (معجم البلدان ٢/٢٣٥، معجم ما استعجم ١/٤٣٥، الأنساب ٤/٩٦.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ١/٣١٣.
(٥) الفتوى الحموية ص٤٧، مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠، منهاج السنة ٢/١٩٢.
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
[ ١٤١ ]
وقال الذهبي: (وأصله من حران)
وحران مدينة تقع بالجزيرة الفراتية من أرض العراق ولا يتعارض هذا القول مع ما ذكره ابن كثير في تاريخه حيث قال: (قال غير واحد من الأئمة كان الجعد بن درهم من أهل الشام)
فالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلمًا ومؤدبًا لمروان بن محمد لما كان واليًا على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك٣ ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها٤ ثم هرب من دمشق إلى الكوفة٥ كما سنفصله عن قريب.
وإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فإن حران كانت دار الصابئة المشركين٦، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل٧ وكان بها هيكل "العلة الأولى" هيكل "العقل الأول" هيكل "النفس الكلية" هيكل "زحل" هيكل "المشترى" هيكل "المريخ" هيكل "الشمس" وكذلك "الزهرة" و"عطارد" و"القمر".
_________________
(١) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٢٠، ت٣٤٣، ٧/٣٣٧،٣٣٨) .
(٢) البداية ١٠/١٩.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، تاج العروس ٢/٣٢١.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، البداية ٩/٣٥٠.
(٥) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، البداية ٩/٣٥٠.
(٦) الرد على المنطقيين ص٢٨٧.
(٧) الفتوى الحموية ص٤٨،٤٩.
[ ١٤٢ ]
وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة.١
فيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب)
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص٢٨٧،٢٨٨.
(٢) الفتوى الحموية ص٤٩.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/٣١٣.
[ ١٤٣ ]