قتل الجعد بن درهم بالعراق في مدينة واسط في أوائل المائة الثانية على عهد علماء التابعين مثل الحسن البصري (ت١١٠هـ) وغيره.١
"سبب قتله"
ويروى ابن الأثير سبب قتله فيقول: (وقيل: إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران. فقال: لشاه قباذ٢ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله)
فهذه الرواية التاريخية تظهر أن ميمون بن مهران (ت١١٧هـ) -وهو أحد الأربعة الذين كانوا هم علماء الناس في زمن هشام بن عبد الملك٤ وهم مكحول والحسن والزهري وميمون بن مهران٥ - هو الذي رفع أمر الجعد لهشام وأعد الشهود الذين شهدوا على الجعد بالكفر.٦
وفي هذا رد على زعم من زعم أن قتل الجعد كان بدافع سياسي من أمثال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
(٢) «لشاه قباذ» كلمة فارسية معناها الملك قباذ، قال الجواليقي: (وقُبَاذُ ملك من ملوك الفرس) وهو والد كسرى أنوشروان.
(٣) الكامل لابن الأثير ٥/٤٢٩.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠/٣٩١.
(٥) سير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦.
(٦) أنساب الأشراف للبلاذري ٨/٢٤١.
[ ١٥٤ ]
"شارل بلاذا" في كتابه "الجاحظ" حيث قال: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد)
وعلي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد- كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي)
وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.
"تاريخ قتل الجعد"
حددت المصادر التاريخية وغيرها الساعة واليوم والشهر والبلد والمكان الذي قتل فيه الجعد والطريقة والأداة والذابح الذي ذبح الجعد.
فالساعة: هي صباح يوم عيد الأضحى بعد انتهاء الخطبة.
واليوم: هو اليوم العاشر.
والشهر: شهر ذي الحجة.
والبلد: هي واسط.
والمكان: أسفل المنبر.
والطريقة والأداة والذابح: ذبح بالسكين ذبحًا بيد خالد بن عبد الله القسري.
ولكن مع كل هذه المعلومات التفصيلية الدقيقة، يبقى أن العام الذي قتل فيه
_________________
(١) الجاحظ ص٣٠٨، نقلا عن كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص٥٣.
(٢) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/٣٣١.
[ ١٥٥ ]
الجعد لم يعرف بالتحديد، ولم أقف على من حدد وقت قتله إلا الهروي في ذم الكلام حيث قال: (فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد ابن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وماله يومئذ نكير ذلك سنة نيف وعشرين ومائة)
ولكن هذه المعلومة غير صحيحة لأن عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمارة العراق كان سنة عشرين ومائة. فكيف يكون قتل الجعد بعد العشرين ومائة؟ فخالد بن عبد الله القسري تولى إمارة العراق سنة ست ومائة وعزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة٢
والذهبي ذكر قتل الجعد في حوادث سنة عشرين ومائة٣ ولكن هذا لا يتفق مع عزل خالد الذي كان في شهر جمادى الأولى من هذه السنة والقتل وقع في شهر ذي الحجة، ولكن ربما يحمل قول الذهبي على جبر الكسر، وعلى هذا فإن قتل الجعد يكون قد وقع قبل سنة عشرين ومائة، فالقتل وقع في أوائل المائة الثانية فيما بين سنة ست ومائة وسنة تسع عشرة ومائة. وهي مدة إمارة خالد القسري على العراق.
ولكن يمكن أن نستشف من عبارة شيخ الإسلام التي قال فيها: (فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك) ٤ أن قتله كان قبل سنة (١١٠هـ)
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٥.
(٢) الكامل ٥/٢٢٤، وسير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦.
(٣) تارخ الإسلام (حوادث ووفيات ١٠١-١٢٠هـ (٧/٣٣٧-٣٣٨) .
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
[ ١٥٦ ]
فالحسن البصري مات سنة (١١٠هـ) فإذا اعتمدنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية فإن الحادثة تكون قد وقعت ما بين (١٠٦هـ) و(١١٠هـ) . ولكن يبقى التحديد الدقيق لسنة قتل الجعد غير معروف.
"سبب قتل الجعد"
وقد ضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره، الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك.١
قال الدارمي: (أظهر الجعد بن درهم بعض رأيه في زمن خالد القسري، فزعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليما، فذبحه بواسط يوم الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا لما ظهر هذا القول في أوائل الإسلام قُتل من أظهره، وهو الجعد بن درهم يوم الأضحى، فقتله خالد بن عبد الله القسري برضا علماء الإسلام)
وقال النديم في الفهرست: (وقَتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
(٢) الرد على الجهمية ص١١٠، ط: المكتب الإسلامي.
(٣) منهاج السنة ص١٦٥.
[ ١٥٧ ]
هشام: أهو حي بعد، وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر بأمر هشام.١
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: "أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية. ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد)
وقال ابن العماد الحنبلي: (خطب خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وكان ممن حضره الجعد بن درهم. فقال خالد في خطبته الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. فقال الجعد وهو بجانب المنبر لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا ولا موسى كليمًا ولكن من وراء وراء٣ فلما أكمل خالد خطبته قال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد
_________________
(١) الفهرست ص٤٠١، ط: طهران.
(٢) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠-١٠٧٢.
(٣) (من وَرَاءَ وَرَاءَ): قال ابن الأثير هكذا يروى مبينًا على الفتح: أي من خلف حجاب) النهاية ٥/١٧٨.
[ ١٥٨ ]
بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا موسى كليمًا في كلام طويل ثم نزل فذبحه في أسفل المنبر. فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية)
وقال ابن عساكر: (وأما الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وكان خالد واليًا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحى اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا؛ ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين)
وقد أخرج البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، وغيره، قال: حدثنا قتيبة حدثني القاسم بن محمد ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم. زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه)
_________________
(١) شذرات الذهب ١/١٦٩.
(٢) مختصر تاريخ بن عساكر ٦/٥٠.
(٣) انظر خلق أفعال العباد للبخاري ص٧، والتاريخ الكبير للبخاري (١/١/٦٤، ١/٢/١٥٨ ت١٤٣-٥٤٢) وعزاها ابن كثير في البداية (١٠/٢١) لابن أبي حاتم في السنة، والسنة للخلال (٥/٨٧، ٨٨، رقم ١٦٩٠) والرد على الجهمية للدارمي (ص٧)، والرد على بشر المريسي (١١٨)، والشريعة للآجري (٩٧،٣٢٨)، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد (٥٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/٣١٩ رقم ٥١٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/٢٠٥) والأسماء والصفات للبيهقي (٣٢٥) وابن بطة في الإبانة، الكتاب الثالث الرد على الجهمية (٢/١٢٠ رقم ٣٨٦) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/٤٢٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٨/١١٨)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥/٤٨٧)، واللباب لابن الأثير ٣/٣٩٢، ومنهاج السنة ٣/١٦٥، ١٦٦، الصواعق المرسلة ٣/١٠٧١، شذرات الذهب ١/١٦٩.
[ ١٥٩ ]
قال ابن عساكر: (ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين)
وقال الذهبي في العلو للعلي الغفار: (قرأت في كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب التصانيف حدثنا عيسى ابن أبي عمران الرملي حدثنا أيوب بن سويد عن السري بن يحي قال: خطبنا خالد القسري وقال: انصرفوا إلى ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد، وذكر القصة)
والقصة مشهورة كما قال عنها الذهبي٣ وقد تناقلها جمع من علماء السنة منهم البخاري، والدارمي، وابن أبي حاتم واللالكائي، والأجري، وابن كثير، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم.
وقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري٤.
قال ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال ابراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٢) العلو للعلي الغفار ص١٠٠.
(٣) ميزان الاعتدال (١/٣٩٩ ت١٤٨٢)، تاريخ الإسلام ٧/٣٣٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧، ١٢/٣٥٠.
[ ١٦٠ ]
شكرا لضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان١
وقال أبو محمد اليمني: (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) ٢.
وقال الدارمي: (وأما الجعد، فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط في يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن. بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) ٣.
وقال الذهبي بعد ذكره قصة قتل خالد القسري للجعد (هذه من حسناته هي وقتله مغيرة٤ الكذاب) ٥. وكذلك من حسناته قتله لبيان بن سمعان النهدي.٦
_________________
(١) شرح القصيدة النونية للهراس ١/٢٥.
(٢) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧.
(٣) الرد على الجهمية للدارمي (٧-١١٠) ط: المكتب الإسلامي.
(٤) المغيرة بن سعيد البجلي، كان رافضيًا خبيثًا كذابًا ساحرًا ادعى النبوة، وفضل عليًا على الأنبياء، وكان مجسمًا) تاريخ الطبري (٧/١٢٨، ١٢٩)، سير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦)، ميزان الاعتدال (٤/١٦٠،١٦١) .
(٥) سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٢.
(٦) بيان بن سمعان من الغلاة القائلين بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، فقتله خالد القسري على ذلك.) الملل والنحل ١/١٥١،١٥٢.
[ ١٦١ ]