وتبه فِي غيه وضلاله جهم بن صَفْوَان أَبُو مُحرز، قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: "السَّمرقَنْدِي الضال المبتدع، رَأس الْجَهْمِية هلك فِي زمَان صغَار التَّابِعين وَمَا عَلمته روى شَيْئا لكنه زرع شرا عَظِيما" انْتهى٣.
وَقَالَ الْحَافِظ فِي لِسَانه: "وَكَانَ قتل جهم بن صَفْوَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة وَسَببه أَنه كَانَ يقْضِي فِي عَسْكَر الْحَارِث بن شُرَيْح الْخَارِج على أُمَرَاء خُرَاسَان فَقبض عَلَيْهِ نصر بن سيار فَقَالَ لَهُ: استبني. فَقَالَ: لَو مَلَأت هَذَا الْمَلأ كواكب وأنزلت إِلَيّ عِيسَى بن مَرْيَم مَا نجوت، وَلم كنت فِي بَطْني لشققت بَطْني حَتَّى أَقْتلك وَلَا تقوم علينا مَعَ اليمانية أَكثر مِمَّا قُمْت، وَأمر بقتْله، وَكَانَ جهم من موَالِي بني راسب وَكتب لِلْحَارِثِ" انْتهى٤.
قلت: وَقد عقد الإِمَام الْحَافِظ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي كِتَابه عنوانا وَهُوَ: (بَاب الإحتجاج فِي إكفار الْجَهْمِية) ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: "ناظرني رجل بِبَغْدَاد منافخا عَن هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية فَقَالَ لي: بِأَيّ حجَّة تكفرون هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية وَقد نهي عَن إكفار أهل الْقبْلَة؟ بِكِتَاب نَاطِق تكفرونهم أم بأثر أم بِإِجْمَاع؟ فَقلت: مَا الْجَهْمِية عندنَا من أهل الْقبْلَة وَمَا نكفرهم إِلَّا بِكِتَاب مسطور وَأثر مأثور وَكفر مَشْهُور: أما الْكتاب: فَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن مُشْركي قُرَيْش من تكذيبهم بِالْقُرْآنِ فَكَانَ من أَشد مَا أخبر عَنْهُم من التَّكْذِيب أَنهم قَالُوا هُوَ مَخْلُوق كَمَا قَالَت الْجَهْمِية سَوَاء، قَالَ الوحيد: وَهُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وَهَذَا قَول جهم إِن هَذَا إِلَّا مَخْلُوق وَكَذَلِكَ قَول من يَقُول بقوله، وَقَول من قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ و﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ معناهم فِي جَمِيع ذَلِك وَمعنى جهم بن صَفْوَان فِي قَوْله يرجعان إِلَى أَنه مَخْلُوق لَيْسَ بَينهمَا فِيهِ من البون كغرز إبرة وَلَا كقيس شَعْرَة. فَبِهَذَا نكفرهم كَمَا أكفر الله بِهِ أئمتهم من
_________________
(١) ٣ ميزَان الِاعْتِدَال: ١ /٤٢٦. ٤ لِسَان الْمِيزَان: ٢ /١٤٢.
[ ٢٩٧ ]
قُرَيْش، وَقَالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ إِذا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ لِأَن كل إفْك وَتقول وسحر واختلاق وَقَول الْبشر، كُله لَا شكّ فِي أَنه مَخْلُوق. فاتفق من الْكفْر بَين الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وجهم ابْن صَفْوَان: الْكَلِمَة وَالْمرَاد فِي الْقُرْآن أَنه مَخْلُوق فَهَذَا الْكتاب النَّاطِق فِي إكفارهم.
وَأما الْأَثر فِيهِ: فَمَا حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن يزِيد وَجَرِير بن حَازِم عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَتَى بِقوم من الزَّنَادِقَة فحرقهم بلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: أما أَنا فَلَو كنت لقتلتهم لقَوْل رَسُول الله ﷺ: "من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ" وَلما حرقتهم لنهى رَسُول الله ﷺ: "لَا تعذبوا بِعَذَاب الله" زَاد سُلَيْمَان فِي حَدِيث جرير: فَبلغ عليا مَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ: وَيْح ابْن أم الْفضل إِنَّه لغواص على الهنات.
قَالَ أَبُو سعيد: فَرَأَيْنَا هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية أفحش زندقة، وَأظْهر كفرا، وأقبح تَأْوِيلا لكتاب الله ورد صِفَاته فِيمَا بلغنَا عَن هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة الَّذين قَتلهمْ عَليّ ﵇ وحرقهم فمضت السّنة من عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵄ فِي قتل الزَّنَادِقَة لما أَنَّهَا كفر عِنْدهمَا وَأَنَّهُمْ عِنْدهمَا مِمَّن بدل دين الله وتأوّلا فِي ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ وَلَا يجب على رجل قتل فِي قَول يَقُوله حَتَّى يكون قَوْله ذَلِك كفرا. وَلَا يجب فِيمَا دون الْكفْر قتل إِلَّا عُقُوبَة فَقَط فَذَاك الْكتاب فِي إكفارهم وَهَذَا الْأَثر" انْتهى.
قَالَ السندي عَفا الله عَنهُ: "أما حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سعيد بِإِسْنَادِهِ عَن شَيْخه سُلَيْمَان بن حَرْب فَهُوَ حَدِيث أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح فِي كتاب الْجِهَاد بَاب رقم (١٤٩) وَهُوَ بعنوان (بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله) عَن شَيْخه عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ. وَأخرجه أَيْضا فِي كِتَابه اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين والمعاندين وقتالهم بَاب رقم (٢) وَهُوَ بعنوان (حكم الْمُرْتَد والمرتدة واستتابتهم) أخرجه عَن شَيْخه أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَأخرجه أَيْضا الإِمَام أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ وَكَذَا ابْن مَاجَه وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده فِي عدَّة مَوَاضِع.
فالقائل بِخلق الْقُرْآن فِي نظر السّلف ﵏ مبدل دينه كَمَا أثبت ذَلِك أَبُو سعيد رَحمَه الله تَعَالَى من استدلاله بآيَات من الْكتاب الْحَكِيم ثمَّ قَالَ أَبُو سعيد رَحمَه الله تَعَالَى:
"ونكفرهم أَيْضا بِكفْر مَشْهُور وَهُوَ تكذيبهم بِنَصّ الْكتاب، أخبر الله ﵎ أَن الْقُرْآن كَلَامه، وَادعت الْجَهْمِية أَنه خلقه، وَأخْبر الله ﵎ أَنه كلم مُوسَى تكليما، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لم يكلمهُ الله بِنَفسِهِ وَلم يسمع مُوسَى نفس كَلَام الله إِنَّمَا سمع كلَاما خرج إِلَيْهِ
[ ٢٩٨ ]
من مَخْلُوق، فَفِي دَعوَاهُم دَعَا مَخْلُوق مُوسَى إِلَى ربوبيته فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْك﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى فِي دَعوَاهُم –صدقت ثمَّ أَتَى فِرْعَوْن يَدعُوهُ أَن يُجيب إِلَى ربوبية مَخْلُوق كَمَا أجَاب مُوسَى فِي دَعوَاهُم، فَمَا فرق بَين مُوسَى وَفرْعَوْن فِي مَذْهَبهم فِي الْكفْر إِذا فَأَي كفر بأوضح من هَذَا؟
وَقَالَ الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ .
وَقَالَ هَؤُلَاءِ: مَا قَالَ لشَيْء قطّ قولا وكلاما كن فَكَانَ وَلَا يَقُوله أبدا وَلم يخرج مِنْهُ كلَاما قطّ وَلَا يخرج، وَلَا يقدر على الْكَلَام فِي دَعوَاهُم، فالصم بدعواهم والرحمن بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فِي الْكَلَام، فَأَي كفر بأوضح من هَذَا؟
وَقَالَ الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ و﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ وَقَالَ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ قَالَ هَؤُلَاءِ: لَيْسَ لله يَد وَمَا خلق آدم بيدَيْهِ إِنَّمَا يَدَاهُ نعمتاه أَو رزقاه، فَادعوا فِي يَدي الله أوحش ممال ادَّعَتْهُ الْيَهُود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وَقَالَت الْجَهْمِية يَد الله مخلوقة، لِأَن النعم والأرزاق مخلوقة لَا شكّ فِيهَا، وَذَاكَ محَال فِي كَلَام الْعَرَب فضلا أَن يكون كفرا. لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يُقَال: خلق آدم بنعمته، ويستحيل أَن يُقَال فِي قَول الله ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ بنعمتك الْخَيْر، لِأَن الْخَيْر نَفسه هُوَ النعم نَفسهَا. ومستحيل أَن يُقَال فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ نعْمَة الله فَوق أَيْديهم، وَإِنَّمَا ذَكرنَاهَا هُنَا الْيَد مَعَ ذكر الْأَيْدِي فِي الْمُبَايعَة بِالْأَيْدِي فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ .
ويستحيل أَن يُقَال: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ نعمتاه فَكَأَن لَيْسَ لَهُ إِلَّا نعمتان مبسوطتان. لَا تحصى نعمه وَلَا تستدرك، فَلذَلِك قُلْنَا: إِن هَذَا التَّأْوِيل محَال من الْكَلَام فضلا عَن أَن يكون كفرا"١ انْتهى.
قلت: مَا أوضح هَذَا الْكَلَام حجَّة وبرهانا وَمَا أبينه فِي هَذَا الْموقف الخطير الَّذِي ضل فِيهِ أَقْدَام الْمُتَأَخِّرين تقليدا لهَؤُلَاء الأشرار الَّذين أثاروا هَذِه الشكوك والأوهام نَحْو هَذِه الْحَقِيقَة الناصعة وَالْحجّة القوية الباهرة من إِثْبَات الْبَارِي ﷾ على وَجه يَلِيق بجلاله وكماله فَهَذَا الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري الَّذِي سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ يَقُول فِي مقالاته الْكُبْرَى مَا نَصه:
"بِدعَة الصوتية حول الْقُرْآن" ثمَّ قَالَ: "وَالْوَاقِع أَن الْقُرْآن فِي اللَّوْح وَفِي لِسَان جِبْرِيل ﵇ وَفِي لِسَان النَّبِي ﷺ وألسنة سَائِر التالين وَقُلُوبهمْ وألواحهم
_________________
(١) ١ كتاب الرَّد على الْجَهْمِية: ص ٩٣ -٩٥ المطبوع فِي ليدن سنة ١٩٦٠ م.
[ ٢٩٩ ]
مَخْلُوق حَادث مُحدث ضَرُورَة وَمن يُنكر ذَلِك يكون مسفسطا سَاقِطا من مرتبَة الْخطاب" ثمَّ يَقُول: "وَهَذَا تتبين شَهَادَة ابْن تَيْمِية فِي حق الْعلمَاء وَلَيْسَ عِنْده سوى أَلْفَاظ مرصوصة لَا إِفَادَة تحتهَا فِي بحوثه الشاذة كلهَا، وَغير الْمُفِيد لَا يعد كلَاما، وَلم يَصح فِي نِسْبَة الصَّوْت إِلَى الله حَدِيث١" انْتهى.
وسوف يَأْتِي الرَّد على هَذَا الْكَلَام الْقَبِيح فِيمَا بعد فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
_________________
(١) ١ مقالات الكوثري: ص ٢٧ -٢٨. .
[ ٣٠٠ ]