وَالرجل الثَّالِث من هَؤُلَاءِ الَّذين هم رَأس الْكفْر: وَاصل بن عَطاء الْبَصْرِيّ الغزال الْمُتَكَلّم.
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: "البليغ، المتشدق الَّذِي كَانَ يثلغ بالراء فلبلاغته هجر الرَّاء وتجنبها فِي خطابه، سمع من الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره قَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ: رجل سوء كَافِر".
قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ – وَبِقَوْلِهِ قلت -: "كَانَ من أجلاء الْمُعْتَزلَة، ولد سنة ثَمَانِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَمِمَّا قيل فِيهِ.
وَيجْعَل الْبر قمحا فِي تصرفه وَخَالف الرَّاء حَتَّى احتال للشعر
وَلم يطق مَطَرا فِي القَوْل يَجعله فعاذ بالغيث إشفاقا من الْمَطَر
وَله من التصانيف: كتاب المرجئة، وَكتاب التَّوْبَة، وَكتاب مَعَاني الْقُرْآن وَكَانَ يتَوَقَّف فِي عَدَالَة أهل الْجمل وَيَقُول: إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فسقت لَا بِعَينهَا، فَلم شهِدت عِنْدِي عَائِشَة وَعلي وطَلْحَة على باقة بقل لم أحكم بِشَهَادَتِهِم، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة"٢ انْتهى.
قلت: هَذَا الزنديق ترْجم لَهُ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الأدباء تَرْجَمَة طَوِيلَة وَجَاء فِيهَا:
"وَكَانَ وَاصل فِي أول أمره يجلس إِلَى الْحسن الْبَصْرِيّ فَلَمَّا ظهر الِاخْتِلَاف، وَقَالَت الْخَوَارِج بتكفير مرتكبي الْكَبَائِر، وَقَالَ جمَاعَة بإيمَانهمْ، خرج وَاصل عَن الْفَرِيقَيْنِ وَقَالَ
_________________
(١) ٢ ميزَان الِاعْتِدَال: ٤ /٣٢٩.
[ ٣٠٠ ]
بِمَنْزِلَة بَين المنزلتين، فطرده الْحسن عَن مَجْلِسه فاعتزل عَنهُ وَتَبعهُ عَمْرو بن عبيد، وَمن ثمَّ سموا وجماعتهم الْمُعْتَزلَة"١.
ثمَّ قَالَ ياقوت: "وَله من التصانيف: مَعَاني الْقُرْآن، وَكتاب التَّوْبَة، وَكتاب الْخطب فِي التَّوْحِيد، وَكتاب الْمنزلَة بَين المنزلتين" ثمَّ ذكر بَقِيَّة الْكتب الَّتِي صنفها هَذَا الزنديق فِي الاعتزال وَنفي الصِّفَات وطعنه فِي أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كَمَا شاهدت ذَلِك من كَلَام الإِمَام الذَّهَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يقبل شَهَادَة عَليّ وَعَائِشَة وَطَلْحَة على باقة بقل.
وَهَذَا من أقبح الْكفْر وأشنعه.
وَترْجم لَهُ القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس شمس الدّين أَبُو بكر بن خلكان فِي وفيات الْأَعْيَان تَرْجَمَة مفصلة وفيهَا أَخْبَار زندقته وكفره وانحرافه٢.
وَترْجم لَهُ الْعَلامَة السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب فِي نِسْبَة المعتزلي فأجاد فِيهَا وَأفَاد أَن الإِمَام قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي التَّابِعِيّ الْمَعْرُوف هُوَ الَّذِي سماهم الْمُعْتَزلَة.
وَقَالَ الْحَافِظ فِي لِسَانه بعد إِيرَاد كَلَام الإِمَام الذَّهَبِيّ من الْمِيزَان: "وَقَالَ المَسْعُودِيّ هُوَ قديم الْمُعْتَزلَة وشيخها، وَأول من أظهر القَوْل بالمنزلة بَين المنزلتين، وكنيته أَبُو حُذَيْفَة".
قَالَ الْحَافِظ: "كَانَ بشار الشَّاعِر صديق أبي حُذَيْفَة وَاصل وَكَانَ مدح خطبَته الَّتِي نزع مِنْهَا الرَّاء ثمَّ رَجَعَ عَنهُ لما دَان بالرجعة وَكفر جَمِيع الْأمة لأَنهم لم يتابعوا عليا فَسئلَ عَن عَليّ فَقَالَ: وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أم عَمْرو. قلت: وَمَا أَظن إِلَّا وهما فِي حق وَاصل"٣ انْتهى.
قلت: كَأَن الْحَافِظ فِي هَذَا الْكَلَام يَقُول: إِن المَسْعُودِيّ وبشار بن برد الشَّاعِر لم يقبل مِنْهُمَا هَذَا الشَّيْء الْوَارِد فِي حق عَليّ ﵁ لِأَنَّهُمَا موصوفان بالتشيع وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ.
فَإِن هَذَا وَمن قبله من أَئِمَّة الْكفْر والضلال هم الَّذين لَهُم هَذِه الجهود الخبيثة والمساعي الخسيسة فِي إبِْطَال هَذِه العقيدة الإسلامية الصَّحِيحَة الصافية النقية الَّتِي جَاءَ بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٤
_________________
(١) ١ مُعْجم الأدباء: ٢٤٣ –٢٤٧ /٩. ٢ وفيات الْأَعْيَان: ٦ /٧ -١١. ٣ لِسَان الْمِيزَان: ٦ /٢١٥. ٤ انْظُر مقَاتل الطالبين لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: ص ٢٩٣.
[ ٣٠١ ]
قَالَ الْعَلامَة أَبُو هِلَال العسكري الْمُتَوفَّى سنة ٣٩٥ هجري فِي كِتَابه (الْأَوَائِل): "أول من صنف فِي الْكَلَام أَبُو حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء" ثمَّ قَالَ بعد هَذَا العنوان مُبَاشرَة: لم يعرف فِي الْإِسْلَام كتاب كتب على أَصْنَاف الْمُلْحِدِينَ وعَلى طَبَقَات الْخَوَارِج وعَلى غَالِيَة الشِّيعَة والمشايعين فِي قَول الحشوية قبل كتب وَاصل بن عَطاء، وكل أصل نجده فِي أَيدي الْعلمَاء فِي الْكَلَام، وَالْأَحْكَام فَإِنَّمَا هُوَ مِنْهُ ثمَّ قَالَ: "وَهُوَ أول من سمى معتزليا"١ انْتهى.
قلت: هُوَ أول من ألف وصنف فِي الْإِلْحَاد وَالْكفْر فِي هَذَا الْبَاب بالتفصيل مَعَ أَن لَهُ سلفا كَمَا تقدم فِي هَذَا الانحراف الخطير.
وَلِهَذَا ترْجم لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن النديم الْمُتَوفَّى سنة ٣٤٦ هجري فِي الفهرست قَالَ: "الْمقَالة الْخَامِسَة وَهِي خَمْسَة فنون فِي الْكَلَام والمتكلمين:
الْفَنّ الأول: فِي ابْتِدَاء أَمر الْكَلَام والمتكلمين من الْمُعْتَزلَة والمرجئة وَأَسْمَاء كتبهمْ".
ثمَّ ترْجم لهَذَا الزنديق تَرْجَمَة مختصرة ومناظرته مَعَ تِلْمِيذه الضال عَمْرو بن عبيد وانتصاره وغلبته على عمر بن عبيد الَّذِي يَأْتِي فِي تَرْجَمته فِيمَا بعد.
ثمَّ قَالَ: "وأخباره كَثِيرَة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ٨٠ لِلْهِجْرَةِ بِمَدِينَة الرَّسُول ﷺ وَتوفى فِي سنة ١٣١ هـ"٢.
هَذِه هِيَ سلسلة الْإِلْحَاد والزندقة لعبت دورا هاما فِي إِفْسَاد العقيدة الإسلامية الصَّحِيحَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه الْكِرَام وَمن تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين.
_________________
(١) ١ الْأَوَائِل: ص ٢٩٨ -٣٠٠. ٢ الفهرست: ص ٢٥١.
[ ٣٠٢ ]