ثمَّ جَاءَ بعد هَذَا الزنديق الضال عَمْرو بن عبيد بن بَاب، أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ المعتزلي القدري مَعَ زهده وتألهه.
قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: "روى عَن الْحسن وَأبي قلَابَة وَعنهُ الحمادان، وَعبد الْوَارِث، ويحي الْقطَّان، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَعلي بن عَاصِم. وَوَلَاؤُهُ لبني تَمِيم، وَكَانَ من شَرط الْحجَّاج.
[ ٣٠٢ ]
قَالَ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان أَن عَمْرو بن عبيد سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فِيهَا وَقَالَ: هَذَا من رَأْي الْحسن، فَقَالَ لَهُ رجل: إِنَّهُم يروون عَن الْحسن خلاف هَذَا؟ قَالَ: إِنَّمَا قلت هَذَا من رَأْي الْحسن –يُرِيد نَفسه-.
قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ: "ابْن عون عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ: رَأَيْت عَمْرو بن عبيد فِي الْمَنَام وَهُوَ يحك آيَة من الْمُصحف، فَقلت: أما تتقي الله. قَالَ: إِنِّي أبدل مَكَانهَا خيرا مِنْهَا".
وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الرَّحْمَن بن جبلة عَن ثَابت بن حزم الْقطعِي حَدثنَا عَاصِم الْأَحول قَالَ: "جَلَست إِلَى قَتَادَة فَذكر عَمْرو بن عبيد فَوَقع فِيهِ، فَقلت لَا أرى الْعلمَاء يَقع بَعضهم فِي بعض، فَقَالَ: يَا أَحول أَو لَا تَدْرِي أَن الرجل إِذا ابتدع فَيَنْبَغِي أَن يذكر حَتَّى يحذر. فَجئْت مغتما فَقُمْت فَرَأَيْت عَمْرو بن عبيد يحك آيَة من الْمُصحف فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله قَالَ: إِنِّي سأعيدها، فَقلت: أعدهَا قَالَ: لَا أَسْتَطِيع". رَوَاهُ هدبة بن خَالِد عَنهُ.
قَالَ ابْن معِين: "لَا يكْتب حَدِيثه". وَقَالَ النَّسَائِيّ: "مَتْرُوك الحَدِيث"، وَقَالَ أَيُّوب وَيُونُس: "يكذب"، وَقَالَ حميد: "كَانَ يكذب على الْحسن". وَقَالَ ابْن حبَان: "كَانَ من أهل الْوَرع وَالْعِبَادَة إِلَى أَن أحدث وَاعْتَزل مجْلِس الْحسن هُوَ وَجَمَاعَة مَعَه فسموا الْمُعْتَزلَة" قَالَ: "وَكَانَ يشْتم الصَّحَابَة ويكذب فِي الحَدِيث وهما لَا تعمدا" وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره: "ضَعِيف".
ثمَّ قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ: "يحي عَن حميد الطَّوِيل عَن عَمْرو بن النَّضر قَالَ: سُئِلَ عَمْرو بن عبيد يَوْمًا عَن شَيْء وَأَنا عِنْده فَأجَاب فِيهِ، فَقلت: لَيْسَ هَكَذَا يَقُول أَصْحَابنَا، فَقَالَ: وَمن أَصْحَابك؟ لَا أَبَا لَك. قلت: أَيُّوب وَيُونُس وَابْن عون، والتيمي، قَالَ: أُولَئِكَ أرجاس أنجاس أموات غير أَحيَاء".
قَالَ السندي: "أَيُّوب هُوَ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة كيسَان السّخْتِيَانِيّ أَبُو بكر الْبَصْرِيّ" قَالَ الْحَافِظ نقلا عَن جملَة كَبِيرَة من أَئِمَّة الحَدِيث: "ثِقَة ثَبت حجَّة من كبار الْفُقَهَاء الْعباد من الطَّبَقَة الْخَامِسَة مَاتَ سنة ١٣١ هجري وَهُوَ من رجال الْكتب السِّتَّة"١.
وَيُونُس هُوَ: يُونُس بن ميسرَة بن حَلبس بمهملتين فِي طَرفَيْهِ وموحدة وزن جَعْفَر، وَقد ينْسب إِلَى جده، قَالَ الْحَافِظ نقلا عَن نقاد الحَدِيث وحماته، ثِقَة عَابِد معمر من الطَّبَقَة الثَّالِثَة توفى سنة ١٣٢ هجري وَهُوَ من رجال السّنَن الثَّلَاثَة: أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه."٢
_________________
(١) ١ تقريب التَّهْذِيب: ١ /٨٩. ٢ الْمرجع السَّابِق: ٢ /٣٨٦.
[ ٣٠٣ ]
وَابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبا أَبُو عون الْبَصْرِيّ، قَالَ الْحَافِظ نقلا عَن جهابذة أهل الحَدِيث من عاصروا ابْن عون: "ثِقَة ثَبت فَاضل من أَقْرَان أَيُّوب فِي الْعلم وَالْعَمَل وَالسّن، من الطَّبَقَة السَّادِسَة مَاتَ سنة ١٥٠ هجري وَهُوَ من رجال الْجَمَاعَة"١.
والتيمي هُوَ: سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ، أَبُو الْمُعْتَمِر الْبَصْرِيّ نزل فِي تيم فنسب إِلَيْهِم. قَالَ الْحَافِظ نقلا عَن حماة السّنة ونقادها مِمَّن عاصروه: "ثِقَة، ثَبت من الطَّبَقَة الرَّابِعَة مَاتَ سنة ١٤٣ هجري وَهُوَ ابْن سبع وَتِسْعين سنة وَهُوَ من رجال الْجَمَاعَة٢.
فَقَوْل هَذَا الزنديق الملحد فِي حق هَؤُلَاءِ النقاد الْأَثْبَات الَّذين وقفُوا فِي وَجه زندقته وانحرافه، وكفره مدافعين عَن سنة رَسُول الله ﷺ، قَول زائغ وباطل لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بِحَال من الْأَحْوَال إِلَّا مِمَّن كَانَ على شاكلته فِي الانحراف والزيغ والضلال والإلحاد وَالْكفْر وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: "الفلاس سَمِعت يحي يَقُول: قلت لعَمْرو بن عبيد كَيفَ حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة فِي السكتتين؟ فَقَالَ: مَا نصْنَع بسمرة قبح الله سَمُرَة".
قَالَ السندي: "قبح الله عَمْرو بن عبيد فَإِنَّهُ يسب سَمُرَة بن جُنْدُب بن هِلَال الْفَزارِيّ ﵁ وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ".
قَالَ الْحَافِظ فِي الْإِصَابَة: "وَكَانَ شَدِيدا على الْخَوَارِج فَكَانُوا يطعنون عَلَيْهِ، وَكَانَ الْحسن وَابْن سِيرِين يثنيان عَلَيْهِ"٣.
وَقَالَ الْحَافِظ فِي التَّهْذِيب: "وَكَانَ شَدِيدا على الحرورية فهم وَمن قاربهم يطعنون عَلَيْهِ، وَكَانَ عَظِيم الْأَمَانَة صَدُوق الحَدِيث يحب الْإِسْلَام وَأَهله".
وَقَالَ ابْن سعد فِي طبقاته الْكُبْرَى: "هُوَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وغزا مَعَه وَله حلف فِي الْأَنْصَار وروى عَن النَّبِي ﷺ أَحَادِيث كَثِيرَة ثمَّ نزل الْبَصْرَة بعد ذَلِك فاختلط بهَا ثمَّ أَتَى الْكُوفَة فَاشْترى بهَا دورا فِي بني أَسد بالكناسة وَله بَقِيَّة، وعقب. ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ قصَّة وَفَاته رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ٤".
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة: "هُوَ حَلِيف الْأَنْصَار وَله رِوَايَة كَثِيرَة –أَي عَن النَّبِي ﷺ-"٥ انْتهى.
_________________
(١) ١ الْمرجع السَّابِق: ١ /٤٣٩. ٢ الْمرجع السَّابِق: ١ /٣٢٦. ٣ الْإِصَابَة: ٢ /٧٨ -٧٩. ٤ طبقالت ابْن سعد: ٧ /٤٩ -٥٠. ٥ تَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة: ١ /٢٣٩.
[ ٣٠٤ ]
قلت: لَهُ شرف الصُّحْبَة فَلَا يجوز سبه وَشَتمه وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن سنّ أَصْحَابه رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
أخرج الإِمَام البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح وَكَذَا مُسلم فِي صَحِيحه وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده، كلهم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: "لَا تسبوا أَصْحَابِي، فَإِن أحدكُم لَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مدّ أحدهم وَلَا نصيفه" انْتهى.
وَقد تكلم الْحَافِظ فِي الْفَتْح١ على هَذِه الرِّوَايَة كلَاما جيدا مُفِيدا يتَعَلَّق براوي الحَدِيث إِذْ عزاها إِلَى أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بدل أبي سعيد هَكَذَا قَالَ خلف وَأَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي والحافظ أَبُو عَليّ الجياني الأندلسي وَغَيرهم ثمَّ هَكَذَا نقل عَن الإِمَام الْمزي رَحمَه الله تَعَالَى.
الشَّاهِد من هَذَا الحَدِيث إِن هَذَا الرجل بجهله وحماقته قد سبّ سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَعَ أَن السب من أكبر الْكَبَائِر خُصُوصا فِي حق من اخْتَارَهُمْ الله تَعَالَى لصحبة نبيه ﷺ وَنشر رسَالَته فِي الأفاق، فقبح الله عَمْرو بن عبيد الْبَاب وعامله بِمَا يسْتَحقّهُ، ثمَّ قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه: "مَحْمُود بن غيلَان، قلت لأبي دَاوُد إِنَّك لَا تروي عَن عبد الْوَارِث قَالَ: وَكَيف أرُوِيَ عَن رجل يزْعم أَن عَمْرو بن عبيد خير من أَيُّوب وَيُونُس وَابْن عون؟
سهم بن عبد الحميد قَالَ: مَاتَ ابْن يُونُس بن عبيد فَعَزاهُ النَّاس، فَأَتَاهُ عَمْرو فَقَالَ: إِن أَبَاك كَانَ أصلك وَأَن ابْنك كَانَ فرعك وَأَن امْرأ قد ذهب أَصله وفرعه لحري أَن يقل بَقَاؤُهُ.
قَالَ الفلاس: عَمْرو مَتْرُوك صَاحب بِدعَة، قد روى عَنهُ شُعْبَة حديثين وَحدث عَنهُ الثَّوْريّ بِأَحَادِيث. قَالَ: سَمِعت عبد الله بن مسلمة الْحَضْرَمِيّ يَقُول: سَمِعت عَمْرو بن عبيد يَقُول: لَو شهد عِنْدِي عَليّ وَطَلْحَة، وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان على شِرَاك نعل مَا أجزت شَهَادَتهم٢".
قَالَ السندي: "هَذَا كفر بِكِتَاب الله تَعَالَى وإلحاد وزندقة، وَقد عدلهم رَبهم جلّ وَعلا فِي كِتَابه فَأَي تَعْدِيل أعظم وأوثق من تَعْدِيل رب الْجلَال ﷾ لأَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي كِتَابه الْحَكِيم فِي عدَّة مَوَاضِع فِي آيَاته وسوره فَالله دِرْهَم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم".
_________________
(١) ١ الْفَتْح: ٧ /٣٥. ٢ ميزَان الِاعْتِدَال: ٣ /٢٧٥.
[ ٣٠٥ ]
ثمَّ قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ: "قَالَ مُؤَمل بن هِشَام: سَمِعت ابْن علية يَقُول: أول من تكلم فِي الاعتزال وَاصل بن عَطاء الْغَزالِيّ، وَدخل مَعَه فِي ذَلِك عَمْرو بن عبيد فأعجب بِهِ وزوجه أُخْته وَقَالَ لَهَا: زَوجتك بِرَجُل مَا يصلح إِلَّا أَن يكون خَليفَة" انْتهى. قلت: خَليفَة للشَّيْطَان وَأَتْبَاعه.
ثمَّ أَطَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة هَذَا الْفَاسِق الْفَاجِر نقلا عَن أَئِمَّة الحَدِيث الْكِبَار، فِيهَا من البلايا وَالْكفْر الَّذِي يقشعر مِنْهُ الْجلد ويضطرب مِنْهُ الْقلب، وَيفْسد بِهِ الضَّمِير.
قَالَ الإِمَام الذَّهَبِيّ: عبيد الله بن معَاذ، عَن أَبِيه أَنه سمع عَمْرو بن عبيد يَقُول: وَذكر الحَدِيث عَن الصَّادِق المصدوق ﷺ فَقَالَ: لم سَمِعت الْأَعْمَش يَقُول لكذبته، وَلم سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، وَلَو سَمِعت ابْن مَسْعُود يَقُوله مَا قبلته، وَلَو سَمِعت رَسُول الله – ﷺ - يَقُول هَذَا لرددته، وَلَو سَمِعت الله يَقُول هَذَا لَقلت: لَيْسَ على هَذَا أخذت ميثاقنا"١ انْتهى.
قلت: إِن صَحَّ هَذَا فَهُوَ كفر صَرِيح والإسناد المساق رِجَاله كلهم ثِقَات وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.
_________________
(١) ١ ميزَان الِاعْتِدَال: ٣ /٢٧٨.
[ ٣٠٦ ]