المناظرة الأولى: حكى شيخ الإسلام مناظرته للنصارى في القاهرة فقال: "لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حتى بيّنت له فساد ذلك، وأجبته عما يدعيه من الحجة.
وكان من أواخر ما خاطبت به النصراني أن قلت له: أنتم مشركون، وبيّنت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور، وعبادتها، والاستغاثة بها.
قال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبد هم، وإنما نتوسل بهم، كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح، فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك.
فقلت له: وهذا أيضًا من الشرك، ليس هذا من دين المسلمين، وإن فعله الجهال، فأقر أنه شرك، حتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم، على هذا التقدير نحن مشركون " (١) .
المناظرة الثانية - وقال - أثناء حديثه عمن تلبّس بالشرك: - " وهؤلاء
_________________
(١) . مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٦١، ٤٦٢ - باختصار
[ ١٦ ]
يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والرزق، وقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهذا ليس من دين المسلمين، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده لشبهة الاتحاد والحلول، ولهذا لم يقولوا ذلك في إبراهيم وموسى وغيرهما من الرسل، مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم، ولو كان الحلول ممكنًا لم يكن للمسيح خاصية توجب اختصاصه بذلك، بل موسى أحق بذلك، ولهذا خاطبتُ من خاطبتُ من علماء النصارى، وكنتُ أتنزّل معهم إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية، فلم يجدوا فرقًا، بل أبيّن لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم، فإن كان هذا حجة في دعوى الإلهية فهو أحق" (١) .
المناظرة الثالثة: ولما سجن شيخ الإسلام بمصر سنة ٧٠٧هـ، حصلت له مناظرة مع رهبان النصارى كما أوردها تلميذه إبراهيم بن أحمد الغياني (٢) قائلًا: " ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم (٣)، دخل عنده ثلاثة رهبان من الصعيد، فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وما هم على الدين الذي كان عليه إبراهيم والمسيح، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما
_________________
(١) . الرد على البكري ص ٣٢٧، وانظر مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٢٨
(٢) . لم أعثر له على ترجمة.
(٣) . الترسيم نوع من الحبس انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٥ / ٣٩٩، ١٥/١٣٦.
[ ١٧ ]
تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة (١)، ونحن نقول بالسيدة مريم، قد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذي قبلكم، ونحن كذلك.
فقال لهم: وإن من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان إبراهيم عليه أن لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له، ولا ندّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا، ولا نبيًا، ولا صالحًا، وإن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل تفريج الكربات، وغفران الذنوب.
والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - نؤمن بهم ونعظمهم، ونصدّقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون، فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كفر أحد بنبيّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما نفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي.
_________________
(١) . هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (﵄، وهي من الصالحات العابدات، كانت في المدينة ثم تحولت إلى مصر، وتوفيت بها سنة ٢٠٨ هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٠/١٠٦، البداية والنهاية ١٠/٢٦٢، شذرات الذهب ٢/٢١.
[ ١٨ ]
فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه" (١)
المناظرة الرابعة: وردّ على النصارى تشبيههم ظهور اللاهوت في الناسوت بظهور الروح في البدن، وأنه إذا كان البدن يتألم بما يصيب الروح من الألم، فيلزم النصارى أن يكون الناسوت لما صلب وتوجّع أن يكون أيضًا اللاهوت متوجعًا، ثم ساق هذه المناظرة:
"وقد خاطبت بهذا بعض النصارى، فقال لي: الروح بسيطة، أي لا يلحقها ألم، فقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت أمنعّمة، أو معذبة؟ فقال: هي في العذاب، فقلت: فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذّب، فإذا شبهتم اللاهوت في الناسوت، بالروح في البدن، لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت، كما تتألم الروح إذا تألم البدن.
فاعترف هو وغيره بلزوم بذلك (٢) ".
وبالنظر في تلك المناظرات وما يجليها من تقريرات لشيخ الإسلام، نسوق الأمور التالية:
١ - لا يخفى الأثر السلبي لانحراف المنتسبين إلى الإسلام، وكيف احتج به النصارى هاهنا في تسويغ شركهم، فالنصارى يشركون المسيح
_________________
(١) . الجامع لسيرة ابن تيمية ص ٨٩، ٩٠ = باختصار، وانظر مجموع الفتاوى ١/ ٣٧٠، ٣٧١
(٢) . الجواب الصحيح ٢/ ١٧٢.
[ ١٩ ]
ومريم، كما أن من المسلمين من يشرك الحسين - ﵁ - ونفيسة.
ورحم الله ابن القيم (١) إذ يقول: " ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرًا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظّمهم الجهال من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، ولمن جاء به، فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به.
فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم. " (٢)
ومع هذا الانحراف في واقع المسلمين، إلا أن ابن تيمية كان صاحب استعلاء في إيمانه، ورسوخ في حجته، فقد أقام عليهم الحجة، فاعترفوا بشركهم، وصحة دين الإسلام، بل إن بعض النصارى أسلم على يد ابن تيمية وحسن إسلامه، كداود المتطبب (٣)، والذي صار من علماء أهل السنة، وصنّف كتابًا في الطب النبوي.
_________________
(١) . هو الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، برع في علوم متعددة، كان جريئ الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف، ومذهب السلف، له تصانيف كثيرة، توفي بدمشق سنة ٧٥١هـ. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٣٤، الدرر الكامنة ٤/٢١.
(٢) . إغاثة اللهفان ٢/٤١٦.
(٣) . هو داود بن أبي الفرج الدمشقي، أسلم على يد بن تيمية سنة ٧٠١هـ، وصنف كتاب الطب النبوي وحكى فيه نصوصًا عن أحمد، توفي داود سنة ٧٣٧هـ. انظر الجوهر المنضّد لابن عبد الهادي (ابن المبرد) ص ٣٨.
[ ٢٠ ]
٢ - بيّن ابن تيمية من خلال مناظرته في السجن - مناقضة النصارى لدين الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين، وقد عُني ابن تيمية في مواطن كثيرة بتقرير هذا الإسلام العام وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له (١) .
ومن ذلك قوله: " والذي أنزله الله هو دين واحد اتفقت عليه الكتب والرسل، وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة، وإن تنوّعوا في الشريعة والمنهاج.
- إلى إن قال- فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الخلق رسلًا من البشر، وأنه أوجب العدل وحرّم الظلم والفواحش والشرك، وأمثال ذلك من الشرائع الكلية (٢) "
٣ - لم يتردد شيخ الإسلام في الحكم على تلك الأعمال التي تلبّس بها من يدّعى الإسلام، فبيّن أن طلب الشفاعة شرك سواءً فعله نصراني أو من ينتسب إلى الإسلام (٣) .
_________________
(١) . انظر: الجواب الصحيح ١/ ١١، ٣٧٦، والتدمرية ص ١٦٨، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٣١، مجموع الفتاوى ١٩/ ١٠٦.
(٢) . الجواب الصحيح ١/ ٣٧٦، ٣٧٧ = باختصار
(٣) . ومما يلحق بذلك ما حكاه ابن حزم من تحريف النصارى والإنجيل، واحتجاجهم على أهل الإسلام بمقالة الرافضة بتبديل القرآن.. فأجاب ابن حزم قائلًا: الروافض ليسوا من المسلمين، وأنها طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر. " الفصل ٢/٢١٣.
[ ٢١ ]
ونظير ذلك أنه لما ساق اعتراض بعضهم بأن الغلو والشرك والبدع في الرافضة موجودٌ في كثير من المنتسبين إلى السنة، أجاب قائلًا: "هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله، وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهي عنه، سواءً كان فاعله منتسبًا إلى السنة أو إلى التشيع.." (١) .
٤ - فرّق ابن تيمية - اتباعًا للنصوص الشرعية - بين ما كان حقًا لله تعالى وحده كالعبادة والتقوى، وما كان حقًا لرسوله كالطاعة، فإن من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قرر ذلك في مواضع كثيرة (٢) .
ومن ذلك قوله: "والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة، فالله تعالى مستحق أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، وهذا أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل.
ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥٢) فعجل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده " (٣) .
_________________
(١) . منهاج السنة النبوية ١/ ٤٨٣
(٢) . انظر: منهاج السنة النبوية ٢/ ٤٤٦، والتدمرية ص ١٩٩، واقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٢٦، مجموع الفتاوى ١/١٨١، ١٠/٣٦
(٣) . اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٢٥، ٨٢٦ = باختصار
[ ٢٢ ]
٥ - ذكر ابن تيمية: بعد إحدى المناظرات السابقة - أن " النصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عبّاد المسلمين، وقسيسيهم مثل علماء المسلمين، فإن عقلاءهم لا ينكرون صحة دين الإسلام، بل يقولون: هذا طريق إلى الله، وهذا طريق إلى الله (١) . "
كما حذّر شيخ الإسلام وغلّظ من تسويغ اتباع النصرانية أو اليهودية، كما عليه أكثر اليهود والنصارى، والذين يرون دين المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب الأربعة في دين المسلمين، فتحدّث عن هذه المسألة في غير موضع (٢)، فقال: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين باتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض الكتاب " (٣) .
٦- أظهر شيخ الإٍسلام - في المناظرة الرابعة - تهافت قول النصارى في تشبيههم ظهور اللاهوت في الناسوت بظهور الروح في البدن، وما يلزمهم من التنقص لله ﷿.
_________________
(١) . مجموع فتاوى ١٧/ ٤٦٢ = باختصار
(٢) . انظر: الرد على المنطقيين ص ٢٨٢، مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٦٣، ٢٨/ ٥٢٣.
(٣) . مجموع الفتاوى ٢٨/٥٢٤
[ ٢٣ ]
كما كشف ابن تيمية ذاك التناقض الصريح عند النصراني عند ما زعم أن الروح لا يلحقها ألم، مع أنه مقرّ بأن أرواح الكفار في ألم وعذاب، كما هو عند النصارى (١) .
وهذه المناظرة غيض من فيض في تناقض النصارى واضطرابهم.
ورحم الله ابن حزم (٢)
إذ يقول في وصفهم: " ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه إذ يقول: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (سورة المائدة: ٧٣) لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع.. وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى، ما صدقنا أن في العالم عقلًا يسع هذا الجنون " (٣) .
وقال ابن تيمية في هذا الشأن: " قال طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولًا (٤) "
_________________
(١) . انظر: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام لفرج الله عبد الباري ص ٩٧
(٢) . هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري الأندلسي، فقيه حافظ، وأديب، وزير، صاحب التصانيف المشهورة، توفي سنة ٤٥٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/١٨٤، وشذرات الذهب ٣/ ٢٩٩.
(٣) . الفصل ١/١١١، ١١٢ = باختصار
(٤) . الجواب الصحيح ٢/ ١٥٥، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ٢/ ٤٠٠، ٤١٤
[ ٢٤ ]