من المعلوم أن مسائل الأسماء والصفات من أهم المسائل التي اشتغل ابن تيمية بتقريرها، والرد على المخالفين، فقد سطّر المصنفات العديدة في هذا الباب، كما كانت سيرته حافلة بمناظرات لنفاة الصفات، كما في الأمثلة الآتية:
المناظرة الأولى: كان موضوع " الرسالة المدنية" (١) ومحتواها: مناظرة ابن تيمية لبعض الناس في مسألة تأويل الصفات، وخلاصة المناظرة: أن شيخ الإسلام قرر لمخالفه مذهب أهل السنة في مسألة الصفات، ومعنى قولهم: ظاهر نصوص الصفات مراد أو ليس مرادًا، وأن الظاهر مراد إذا كان المقصود إثبات الصفات لله تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته، فأقرّ المناظر على ذلك، ثم ساق ابن تيمية شروطًا في صرف نصوص الصفات عن ظاهرها، فلا يجوز أن يكون في نصوص الوحيين كلام يراد به خلاف ظاهره، إلا وقد نُصِب دليل يمنع من حمله على ظاهره، حيث سلّم ذلك الرجل بهذا التقرير، ثم ساق شيخ الإسلام صفة اليد لله تعالى مثالًا وأنموذجًا لذلك، وحكى تأويلات المخالفين،
_________________
(١) . طبعت "الرسالة المدنية " مفردة بتحقيق: د. الوليد الفريان، وهي موجود ضمن مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥١ - ٣٧٣
[ ٦٨ ]
واعترف الرجل بها، ثم أجاب شيخ الإسلام عن تأويلاتهم بحجج من القرآن والسنة واللغة والعقل، ثم اعترض المخالف بأن إضافة اليد لله كناقة الله وبيت الله، فأجاب ابن تيمية عن الاعتراض، ثم ختم مناظرته بإيراد أحاديث في إثبات صفة اليد لله تعالى، ثم خاطب مناظره قائلًا: " هل تقبل هذه الأحاديث تأويلًا؟ أو هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق " (١)
"فأظهر الرجل التوبة، وتبيّن له الحق " (٢)
المناظرة الثانية: كتب شيخ الإسلام مناظراته بشأن العقيدة الواسطية، ونظراَ لطولها فسنوردها بتصرف وإيجاز شديد على النحو الآتي:
جرت هذه المناظرات في ثلاثة مجالس سنة ٧٠٥هـ (٣)، حيث أُحضرت العقيدة الواسطية، وقرئت بتمامها على الحاضرين (٤)، وبين الشيخ سبب تأليفها، وأجاب عما أورده الحاضرون من إشكالات واعتراضات.
وبيّن أن هذه عقيدة السلف الصالح جميعًا، فليس للإمام أحمد
_________________
(١) . الرسالة المدنية ص ٦٦
(٢) . الرسالة المدنية، وانظر تفصيل المناظرة في الرسالة المدنية ص ٢٨ -٦٦
(٣) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٦١.
(٤) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٦٤.
[ ٦٩ ]
اختصاص بها (١)، وأزال شيخ الإسلام اللبس عند الحاضرين في مسألة الحرف والصوف، والفرق بين تكلم الله بصوت، وبين صوت العبد (٢)، فأسكت بهذا التفصيل طائفة من المعاندين المتجهمة (٣) .
ولما قرر ابن تيمية أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، استحسن الحاضرون هذا الكلام وعظموه، واعترفوا بزوال الشبهة عنهم (٤) .
ثم ساق مجموع اعتراضاتهم، وأجاب عنها (٥) .
وافتتح شيخ الإسلام المجلس الثاني بأهمية الجماعة، والنهي عن الفرقة (٦)، ثم قال الشيخ المقدم من المعترضين: "لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر، لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء" (٧) .
فقال ابن تيمية: "أما هذا فحق، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريئ " (٨) .
_________________
(١) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٦٩.
(٢) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧٠.
(٣) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧٢.
(٤) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧٦.
(٥) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧٧-١٨٠.
(٦) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٨١.
(٧) . مجموع الفتاوى ٣/ ١٨٤.
(٨) . مجموع الفتاوى ٣/١٨٥
[ ٧٠ ]
وذبّ عن أئمة الحنابلة، وبيّن كذب ما ادّعاه ابن الخطيب (١) عنهم (٢)، وأكّد أن هذه العقيدة لا تختص بالإمام أحمد، وإنما هذا اعتقاد رسول الله - ﷺ - وسلف الأمة، وخاطب أكابر الشافعية بأن ما قرره في هذه العقيدة هو قول أئمة أصحاب الشافعي (٣) .
ولما عزم بعضهم على الطعن في حديث الأوعال (٤)، بادر ابن تيمية بإثبات الحديث وقبوله، ولما أحضر بعضهم كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وأن فيه تأويل الوجه، فعاجله الشيخ بالجواب وبيّن جواز تأويل الوجه بالجهة والقبلة في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (البقرة: ١١٥) فلا محذور فيه، وكما جاء عن مجاهد والشافعي في تفسير الآية، ولكن هذه الآية ليست من آيات الصفات (٥) .
_________________
(١) . ابن الخطيب هو الفخر الرازي
(٢) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٨٤-١٨٦
(٣) ١٨٣٩. انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٩١
(٤) . وهو حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ -.. ومنه " ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك " أخرجه أبو داود ك السنة ح (٤٧٢٣)، والترمذي ك التفسير ح (٣٣٢٠)، وأحمد ١/٢٦٠، وحسّنه ابن تيمية في مجموعة الفتاوى ٣/١٣٩، وابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ٧/٩١.
(٥) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٩٣
[ ٧١ ]
هذه خلاصة تلك المناظرة (١)، كما دوّنها شيخ الإسلام، كما حكيت المناظرة في مواضع أخرى بشيء من الزيادات (٢) .
ج) ومن مناظراته نفاة الصفات ما حكاه قائلًا: " وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الصفات ومحرّ فيها من شيعي ومعتزلي وغيرهما، وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية، فقلت هي كلها مبنية على مقدمتين:
إحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما.
والثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى، فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم، إما أن لا يكون لازمًا بل يمكن الرؤية مع عدمه، وهذا المسلك سلكه الأشعري وغيره، لكن أكثر العقلاء يقولون: إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة.
وإما أن يكون لازمًا، فلا يكون محالًا، فليس في العقل، ولا في السمع ما يحيله، بل إذا قّدر أنه لازم للرؤية فهو حق؛ لأن الرؤية حق، قد علم ذلك بالاضطرار عن خير البرية، أهل العلم بالأخبار النبوية (٣) .
وحكى - في موطن آخر - مقالة نفاة الرؤية، واحتجاجهم بانتفاء
_________________
(١) . انظر: البداية لابن كثير ١٤/٣٦، والعقود الدرية ص ١٤٠ -١٦٤
(٢) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٩٤- ٢١٠، ٢٠٢-٢١٠
(٣) ١٨٨٩. السبعينية ص ٤٧٦ = باختصار يسير
[ ٧٢ ]
لازمها وهو الجهة، وأتبعه بجواب مفصّل (١)، ثم قال: "هذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة، فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. " (٢) .
د) ومن تلك المناظرات ما أورده بقوله:
" وقد يحكى عن بعضهم أن سُمع كلام لا معنى له في نفس الأمر، كما حكى الرازي في "محصوله" عمّن سماهم بحشوية، أنهم قالوا: يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعنى به شيئًا، لكن هذا القول لا أعرف به قائلًا، بل لم يقل هذا أحد من طوائف المسلمين.
ولهذا كنا مرة في مجلس، فجرت هذه المسألة، فقلت: هذا لم يقله أحد من طوائف المسلمين، وإن كان أحد ذكره فليس فيما ذكره حجة على إبطاله، فقال بعض الذابين عنه: هذا قالته الكرامية، فقلت: هذا لم يقله لا كرّامي ولا غير كرّامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وبتقدير أن يكون قولًا، فإنما احتج على فساده بأن هذا عبث، والعبث على الله محال، وهذه الحجة فاسدة على أصله، لأن النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة، هل يجوز أن ينزل حروفًا لا معنى لها، والحروف عنده من المخلوقات، وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء؛ لأنه فعله لا يتوقف على الحكمة والمصلحة، فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا، وإنما
_________________
(١) . منهاج السنة والنبوية ٢/٣٤٨، ٥٥٩
(٢) . منهاج السنة النبوية ٢/ ٣٤٩
[ ٧٣ ]
النزاع المشهور: هل يجوز أن ينزِّل الله تعالى ما لا يُفهم معناه، والرازي ممن يجوّز هذا في أحد قوليه " (١) .
نخلص بعد هذا العرض الموجز إلى الأمور التالية:
١- نلحظ في المناظرة الأولى أن شيخ الإسلام اهتم بمسألة تأويل الصفات، والتي خالف فيها الأشاعرةُ أهلَ السنة، وعلل ذلك قائلًا: "بأنها الأم وسائر المسائل فرع عنها" (٢) .
ومن المعلوم أن شيخ الإسلام يعني في التقرير بالقواعد والأصول، كما يعنى بها في الردّ والمناقشة.
ولذا يقول: " لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم " (٣) .
كما نلحظ أن شيخ الإسلام - في تلك المناظرة - كان يتدرج مع المخالف في تقرير مذهب أهل السنة، ويورد ذلك مسألة تلو مسألة، حتى سلّم المناظر، وأظهر التوبة.
_________________
(١) . الصفدية ١/٢٨٧، ٢٨٨
(٢) . الرسالة المدنية ص ٢٩
(٣) . انظر: مجموع الفتاوى ١٩/٢٠٣
[ ٧٤ ]
وبرع أيضًا في التطبيق لما يقرره ويحرره، فما قرره من الشروط في صرف نصوص الصفات عن ظاهرها، قد حققه عبر مثال ظاهر، وأنموذج بيّن.
٢- مع أن ابن تيمية عرض له في المناظرة بشأن الواسطية - صنوف الأذى والوشاية، والكيد والكذب من قبل مخالفية، إلا أنه عاملهم بالرحمة، والعفو، والإحسان (١)، والسعي إلى الاجتماع والنهي عن الفرقة - كما جاء مبسوطًا في ثنايا المناظرة.
ومن ذلك قوله - في المجلس الثاني من المناظرة - " إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف.. وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، أصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين" (٢) .
ويقول - في موضع آخر - " أنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين، وطلبًا لاتفاق كلمتهم، واتباعًا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة" (٣) .
٣- التزام ابن تيمية في العقيدة الواسطية بالدليل والأثر، وقرر أن الاعتقاد يؤخذ عن الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، وما أجمع عليه
_________________
(١) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٦١، ١٦٢، ١٦٤، ١٦٩، ٢١٠
(٢) . مجموع الفتاوى ٣/ ١٨١، ١٨٢ = باختصار يسير
(٣) . مجموع الفتاوى ٣/٢٢٧
[ ٧٥ ]
سلف الأمة (١) .
وقال - ﵀-: " كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي - ﷺ - " (٢) .
لقد كان شيخ الإسلام وقّافًا على نصوص الوحيين نفيًا وإثباتًا، ومن ذلك قوله: " إني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف، لأن التحريف اسم جاء في القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، وفنفيت ما ذمه الله من التحريف (٣) .
وقلت لهم ذكرتُ في النفي التمثيل، ولم أذكر التشبيه، لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) .
وقلت: من غير تكييف ولا تمثيل، لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف، وهو أيضًا منفي بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته غير معلومة (٤) .."
٤- يبدو جليًا من خلال المناظرة بشأن الواسطية قوة حجة ابن تيمية، ورسوخ علمه، وحدة فهمه، ودقة تحقيقه، ودرايته بالمقالات والمذاهب،
_________________
(١) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٦١.
(٢) . مجموع الفتاوى ٣/١٧٩.
(٣) . في قوله: "ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل " انظر: العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى ٣/١٢٩.
(٤) . مجموع الفتاوى ٣/ ١٩٥، ١٩٦ = باختصار.
[ ٧٦ ]
وحضور حجته، ومسارعته بإيراد الجواب عن كل إشكال.
فالعقيدة الواسطية كتبها في قعدة بعد العصر، ومع ذلك قال لمخالفيه: "كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه " (١) .
وقال أيضا: " قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك، وعليّ أن آتي بنقول جميع الطوائف - عن القرون الثلاثة - توافق ما ذكرته.. " (٢) .
كما ردّ على أولئك الشافعية الذي ناظروه بكلام أئمتهم المقدمين (٣)، وأنصف الحنابلة بالرد على ما ادعاه الفخر الرازي " (٤) .
ومع أن المجلس الأول من المناظرة كان بغتةً لابن تيمية (٥)، إلا أن خيره عظيم كما قال - ﵀ - " أظهر الله من قيام الحجة، وبيان المحجة، ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة. " (٦) .
_________________
(١) . مجموع الفتاوى ٣/١٦٣
(٢) . مجموع الفتاوى ٣/١٦٩
(٣) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٧٢، ١٥٠
(٤) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٨٦
(٥) . انظر: مجموع الفتاوى ٣/١٨١
(٦) . مجموع الفتاوى ٣/١٨٠
[ ٧٧ ]
٥ - كان شيخ الإسلام مراعيًا عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّل ونحوهما - كما في حكاية مناظرة الواسطية، فلما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئًا من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه.
فأجاب قائلًا: " ليس من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته" (١) .
ويقول - في موطن آخر - " كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. " (٢) .
وبالجملة فإن المناظرة بشأن الواسطية تستحق أن تفرد بمصنّف نظرًا لطولها، ولما تحويه من معالم مهمة، وفوائد جمة في تقرير الاعتقاد، وشرح العقيدة الواسطية، والردّ على المخالفين، وجوانب عملية تطبيقية في المناظرات وآدابها.
_________________
(١) . مجموع الفتاوى ٣/١٧٩، وانظر: ٣/٢٣٠، ٢٣١
(٢) . الرد على البكري ص ٢٥٩.
[ ٧٨ ]
٦- لخّص ابن تيمية في المناظرة الثالثة: شبهة نفاة الرؤية في مقدمتين، ثم نقضها، وأشار إلى ثبوت الرؤية كما جاء في الآثار الصحيحة، فابتدأ بنقض الأصل الفاسد، ثم أتبعه بتقرير الحق، وعلل ابن تيمية هذا المسلك بقوله: " فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه (١) .."
وساق ابن تيمية جواب الأشاعرة عن شبهة نفاة الرؤية، حيث أثبت الأشاعرة الرؤية مع نفي الجهة والمقابلة، وإن كان قول الأشاعرة بنفي الجهة فاسدًا وممتنعًا، إلا أن مقالة المعتزلة والشيعة بنفي الرؤية والجهة أشد فسادًا وأعظم امتناعًا من جهة النقل والعقل (٢) .
والذي عليه أهل السنة أن تلك اللوازم - كالجهة والمقابلة ونحوها - ليست ممتنعة، فإذا كانت المقابلة لازمة للرؤية فهي حق، فما كان حقًا وصوابًا فلازمه كذلك، لذا يقول ابن تيمية: "من ادّعى ثبوت الشيء فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرًّا ضرورة عدم الانفكاك عنه" (٣) .
_________________
(١) . مجموع الفتاوى ١٧/١٥٩
(٢) . انظر: منهاج السنة النبوية ٢/ ٣٣٠-٣٤٨
(٣) . تنبيه الرجل العاقل ١/٦٣
[ ٧٩ ]
٧- وأما عن مناظرته بشأن من ادّعى أن الله يتكلم بكلام لا معنى له.. فقد تميزت بأجوبة مهمة، منها: تقريره أن هذه المقولة لم يقلها أحد من الطوائف لا حشوية ولا كرامية، ولا غيرهما.
وهذا من درايته التامة بمقالات الفرق، ودقته في نسبة الأقوال إلى أصحابها (١) .
ومن تلك الأجوبة: أنه لو فرض أنه قول، فإنما احتج الرازي على فساده بأنه هذا عبث، والعبث على الله محال، وهذه الحجة مردودة على أصله لأمرين، أحدهما: أن النزاع إنما هو في الحروف، والحروف عند الرازي مخلوقة، فلا تقوم بها حجة.
وثانيها: أنه يجوز عند الرازي أن يخلق الله كل شيء، وأن ينّزل حروفًا لا معنى لها، فلا يوصف الله - عنده - بالحكمة..
_________________
(١) . انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٢٢
[ ٨٠ ]