المسألة العاشرة: قول السائل: صبحك الله بالخير، وكيف أصبحت، وكيف أمسيت؟ هل بين هذه الألفاظ فرق، وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ وما الفرق بين الدعاء والاستفصال؟
والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف والمفهوم أن قول الرجل لأخيه المسلم: صبحك الله بالخير، مسّاك الله بالخير،
[ ١٢٠ ]
دعاء له بالخير.
وأما قوله: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ فهو سؤال له عن حاله وعن حقيقة ما هو عليه.
وقد أمر الله بدعاء المؤمنين لإخوانهم المؤمنين خصوصا وعموما في كتابه وعلى لسان رسوله، كما هو معلوم مشهور، لا ينكره إلا جاهل.
وكان من المعلوم أيضا أن دعاء المسلم لأخيه المسلم أفضل وأحب إلى الله من السؤال عن حاله، هذا لا يشك فيه من كان له أدنى ممارسة وإلمام بالعلوم الشرعية، والفرق بينهما ظاهر ليس به _ولله الحمد_ خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ لأن دعاء المسلم لأخيه المسلم مما أمر الله به. فذنب الناهي عن ذلك خطره عظيم، نعوذ بالله من القول على الله بلا علم.
وأما قوله: وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ فنقول: كل من اللفظين جائز مسنون، ونحن نذكر ما ذكره العلماء في ذلك، وما ورد فيه من الأحاديث.
قال في"غذاء الألباب": فوائد: الأولى: لا بأس أن يقول لصاحبه: كيف أمسيت؟ وكيف أصبحت؟ قال الإمام أحمد _رضي الله عنه_ لصدقة (١) _وهم في جنازة_: يا أبا محمد كيف أمسيت؟ فقال: مساك الله بالخير
_________________
(١) هو صدقة بن موسى، صاحب الإمام أحمد. ترجمته في "طبقات الحنابلة": (١/١٧٨)، و"المقصد الأرشد": (٢/٤٥١) .
[ ١٢١ ]
وقال _أيضا_ للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبحك الله بالخير يا أبا عبد الله.
وروى _أيضا_ عبد الله ابن الإمام أحمد _رضي الله عنه_ عن الحسن مرسلا أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الصفة "كيف أصبحتم؟ ".
وروى ابن ماجة بإسناد لين من حديث أبي أسيد (١) الساعدي أنه _عليه الصلاة والسلام_ دخل على العباس فقال:" السلام عليكم " فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال:" كيف أصبحتم؟ " قالوا: بخير نحمد الله، كيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله؟ قال:" أصبحت بخير أحمد الله " (٢) .
وروى _أيضا_ عن جابر، قلت: كيف أصبحت يا رسول الله؟ قال:" بخير من رجل لم يصبح صائما ولم يعد سقيما " (٣) وفيه عبد الله بن مسلم ابن هرمز ضعيف.
وفي حواشي تعليق القاضي الكبير عند كتاب النذور، وأبو بكر البرقاني بإسناده عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال: لو لقيت رجلا
_________________
(١) في الأصل:"سعيد" والصواب ما أثبته.
(٢) "سنن ابن ماجة" _كتاب الأدب- باب الرجل يقال له: كيف أصبحت: (٢/١٢٢٣) قال في "الزوائد": قال البخاري: مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ دعا العباس الحديث، لا يتابع عليه. وقال أبو حاتم: عبد الله بن عثمان شيخ يروي أحاديث مشتبهة. اهـ.
(٣) "سنن ابن ماجة": (٢/١٢٢٢) قال في "الزوائد": في إسناده عبد الله بن مسلم، وهو ابن مؤمن المكي، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. اهـ.
[ ١٢٢ ]
فقال: بارك الله فيك، لقلت: وفيك.
قال في "الآداب الكبرى" فقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو أصبحت؟ وكيف أمسيت، بدلا من السلام، وأنه يرد على المبتدي بذلك، وإن (١) كان السلام وجوابه أفضل وأكمل. انتهى.
قلت ما ذكره في "الآداب الكبرى" من الاكتفاء: بكيف أصبحت وكيف أمسيت، خطأ لمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لفظ السلام، وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور: من الآية٦١) والله أعلم (٢) .
_________________
(١) في الأصل:"فإن" والتصويب من "غذاء الألباب": (١/٢٨٩) .
(٢) بل ما قاله في "الآداب الكبرى" هو الصحيح لأن الابتداء بالسلام سنة ليس بواجب، فإن بدأ بالسلام فهو أفضل وأكمل، وإن لم يبدأ به، بل قال: كيف أصبحت ونحو ذلك فلا حرج. والله اعلم.
[ ١٢٣ ]