من المعلوم أنه لا يتم الإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،
والشهادة لا تتحقق إلا بثلاثة أمور:
١- عقيدة في القلب.
٢- نطق في اللسان.
٣- عمل في الأركان.
ولهذا يقول المنافقون للرسول ﵊ إذا جاؤه ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ . ويقول الباري جل ذكره فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] .
لماذا؟ لأن هذه الشهادة فقد منها أعظم ركن فيها وهو العقيدة فهم يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم،
فمن قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ولكن قلبه خال من هذه الشهادة فإنه لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله. ومن اعتقد ذلك ولم يقله بلسانه فإنه لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله.
[ ٢٨ ]
ومن قال ذلك لكن لم يتبعه في شريعته فإنه لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله. وكيف تخالفه وأنت تعتقد بأنه رسول رب العالمين وأن شريعة الله هو ما جاء به؟!.
كيف تقول: إنك شهدت أن محمدًا رسول الله على وجه التحقيق.
لهذا نعتقد أن كل من عصى الله ورسوله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله.
لست أقول إنه ما يشهد ولكنه لم يحقق وقد نقص من تحقيقه إياه بقدر ما حصل منه من مخالفة.
إذًا طريقة أهل السنة والجماعة في حق رسول الله ﵊ الشهادة له بقلوبهم، وألسنتهم، وأعمالهم أنه رسول الله
كذلك أيضًا يحبوه حب تقدير وتعظيم حبًا تابعًا لمحبة الله ﷿.
وليسوا يحبونه من باب التعبد له بمحبته لأن الرسول ﵊ يتعبد لله به – أي بشرعه – ولكنه لا يعبد هو.
[ ٢٩ ]
فهم يحبون الرسول ﵊ لأنه رسول رب العالمين. ومحبتهم له من محبة الله ﵎، ولولا أن الله أرسل محمدًا بن عبد الله القرشي الهاشمي لكان رجلًا من بني هاشم لا يستحق هذه المرتبة التي استحقها بالرسالة.
إذًا نحن نحبه ونعظمه لأننا نحب الله ونعظمه فمن أجل أنه رسول الله وأن الله ﵎ هدى به الأمة حينئذ نحبه.
فالرسول ﵊ عند أهل السنة والجماعة محبوب، لأنه رسول رب العالمين، ولا شك انه أحق الناس، بل أحق الخلق وأجدرهم بتحمل هذه الرسالة العظيمة ﵊.
كذلك أيضًا يعظمون الرسول ﵊ حق التعظيم ويرون أنه أعظم الناس قدرًا عند الله ﷿.
لكن مع ذلك لا ينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، يقولون: إنه عبد الله، بل هو أعبد الناس لله ﷿ حتى إنه يقوم حتى تتورم قدماه فيقال كيف ذلك وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
[ ٣٠ ]
فيقول: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا١".
من يحقق العبادة كتحقيق الرسول ﵊ ولهذا قال: "إني والله أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى٢".
فهو بلا شك أعظم العابدين عبادة وأشدهم تحقيقًا لها ﷺ، ولهذا حين تحدث عن البصل والكراث قال المسلمون حرمت فقال: "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله٣".
انظروا إلى هذا الأدب مع الله ﷿ هكذا العبودية، ولهذا هم يقولون: إن رسول الله ﷺ، عبد من عباد الله، وهو أكمل الناس في عبوديته لله.
ويؤمنون أيضًا بأن الرسول ﷺ، لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا لغيره.
والله تعالى قد أمره أن يبلغ ذلك إلى الأمة فقال: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَك﴾ [الأنعام:٥٠] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "رقم ١١٣٠"، ومسلم "رقم ٢٨١٩". ٢ أخرجه البخاري "رقم ٥٠٦٣"، ومسلم "رقم ١٤٠١". ٣ أخرجه مسلم "رقم ٥٦٥".
[ ٣١ ]
وما هي وظيفته؟
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَي﴾ [الأحقاف:٩] .
ومن زعم أن الرسول ﵊ يعلم شيئًا من الغيب غير ما أطلعه الله عليه فهو كافر بالله ورسوله، لأنه مكذب لله ورسوله.
فإن الرسول أمر أن يقول وقال: قال قولًا يتلى إلى يوم القيامة قوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَك﴾ [الأنعام:٥٠] .
وبمناسبة هذه الآية الكريمة أود أن أقول: إن القرآن الكريم أحيانًا تصدر الأخبار فيه بكلمة ﴿قُلْ﴾ وكل شيء صدر بهذه الكلمة معناه أن الله ﷾ اعتنى به عناية خاصة لأن الرسول، ﵊، قد أمر أن يقول كل القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك﴾ [المائدة:٦٧] . لكن هذا الذي خص بكلمة ﴿قُلْ﴾ فيه عناية خاصة استحق أن يصدر بالأمر بالتبليغ على وجه الخصوص، مثل هذه الآية ومثلها في الأحكام ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] . ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ [النور:٣١] . والأمثلة كثيرة في القرآن.
[ ٣٢ ]
إذن الرسول، ﵊ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا بل ولا لغيره أيضًا ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] . ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:٢٢] .
لو أراد الله بي شيئًا ما أجارني أحد منه ولن أجد من دونه ملتحدًا.
ويعتقدون أن الرسول ﵊، بشر ليس له من شئون الربوبية شيء ولا يعلم الغيب إلا ما أطلعه عليه حتى إنه ﵊ يسأل أحيانًا عن شيء من الأحكام الشرعية فيتوقف حتى يأتيه الوحي، حتى إنه أحيانًا يصدر القول فيقول فيأتيه الاستثناء أو الاستدراك من عند الله ﷿ فقد سئل ﵊ عن الشهادة هل تكفر كل شيء؟ فقال: "نعم". ثم قال: "أين السائل؟ " فقال: "إلا الدين أخبرني بذلك جبريل آنفًا١".
أحيانًا يجتهد ﵊ ولكن يأتيه الوحي من الله ﷿ بأن الخير في كذا وكذا خلاف ما اجتهد فيه ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "رقم ١٨٨٥".
[ ٣٣ ]
الجواب الأول: أن نمنع أن يكون طريق أهل السنة في ذلك تأويلا، لأن التأويل في اصطلاح النتأخرين – وهو الذي يعنيه هؤلاء – هو صرف اللفظ عن ظاهره.
وأهل السنة يقولون: ظاهر الكلام ما دل عليه الكلام باعتبار السياق، أو باعتبار حال المتكلم به، هذا هو ظاهر الكلام وليس للكلمات معنى خلقت له لا تستعمل في غيره، ولكن معنى الكلمات إنما يظهر بسياق وبحال المتكلم بها.
نحن كنا قرأنا في البلاغة أو بعض منا في البلاغة ورأى أن الاستفهام يأتي لعدة معان وقرأنا في حروف الجر ومعانيها، وعلمنا أن بعض الحروف يأتي لعدة معان، فما الذي يعين هذه المعاني؟ أليس السياق؟!
إذن: فحقيقة الكلام ما دل عليه سياقه، وظاهره ما دل عليه سياقه، وذلك باعتبار نظم الكلام وباعتبار حال المتكلم به.
فهذا الجواب جواب مجمل، أن نقول: لا نسلم بأن ظاهر الكلام خلاف ما دل عليه سياقه أو حال المتكلم به، بل ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام وظاهره مطلقا، حتى لو
[ ٣٤ ]
استعملت هذه الكلمة في غير هذا الموضع لمعنى آخر، فإن استعمالها في هذا الموضع للمعنى الذي دل عليه السياق هو في الواقع حقيقتها. هذا جواب.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن في اللفظ إخراجا له عن ظاهره، فإن أهل السنة والجماعة لا يمكن أبدا أن يخرجوا لفظا عن ظاهره، إلا بدليل من الكتاب والسنة، متصل أو منفصل، وأنا أتحدى أي واحد يأتي إلي بدليل من الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته أخرجه أهل السنة عن ظاهره إلا أن يكون لهم دليل بذلك من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ، وحينئذ إذا كان ما أخرجه إليه أهل السنة من المعنى ثابتا بدليل من الكتاب والسنة، فإنهم في الحقيقة لم يخرجوا عما أراد الله به، لأنهم علموا مراد الله به من الدليل الثاني من الكتاب والسنة، وليسوا بحمد الله يخرجون شيئا من النصوص عما يقال: "إنه ظاهره" من أجل عقولهم حتى يتوصلو إلى نفي ما أثبته الله لنفسه وإثبات ما لم يدل عليه ظاهر الكلام. هذا لا يوجد ولله الحمد في أي واحد من أهل السنة، والأمر إذا شئتم فارجعوا إليه في كتبهم المختصر والمطولة.
[ ٣٥ ]