طريقتهم أنهم يعبدون الله، لله، وبالله، وفي الله.
أما كونهم يعبدون الله لله فمعنى ذلك الإخلاص يخلصون لله ﷿ لا يريدون بعبادتهم إلا ربهم لا يتقربون إلى أحد سواه، إنما ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الاسراء:٥٧] .
[ ١٧ ]
ما يعبدون الله لأن فلانًا يراهم، وما يعبدون الله لأنهم يعظمون بين الناس، ولا يعبدون الله لأنهم يلقبون بلقب العابد لكن يعبدون الله لله.
وأما كونهم يعبدون الله بالله. أي: مستعينين به لا يمكن أن يفخروا بأنفسهم، أو أن يروا أنهم مستقلون بعبادتهم عن الله، بل هم محققون لقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعبدون الله لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . يعبدون الله بالله. فيستعينونه على عبادته ﵎.
وأما كونهم يعبدون الله في الله أي في دين الله، في الدين الذي شرعه على ألسنة رسله، وهم وأهل السنة والجماعة في هذه الأمة يعبدون الله بما شرعه على لسان رسوله محمد ﷺ، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه، فهم يعبدون الله في الله في شريعته في دينه لا يخرجون عنه لا زيادة ولا نقصًا لذلك كانت عبادتهم هي العبادة الحقة السالمة من شوائب الشرك والبدع، لأن من قصد غير الله بعبادته فقد أشرك به، ومن تعبد الله بغير شريعته فقد ابتدع
[ ١٨ ]
في دينه والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
فعبادتهم لله في دين الله لا يبتدعون ما تستحسنه أهواؤهم لا أقول ما تستحسنه عقولهم لأن العقول الصحيحة لا تستحسنه الخروج عن شريعة الله لأن لزوم شريعة الله مقتضى العقل الصريح، ولهذا كان الله ﷾ ينعي على المكذبين لرسوله عقولهم ويقول: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣] .
لو كنا نتعبد لله بما تهواه نفوسنا وعلى حسب أهوائنا لكنا فرقًا وشيعًا كل يستحسن ما يريد فيتعبد لله به وحينئذ لا يتحقق فينا وصف الله ﷾ في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ [المؤمنون:٥٢] .
ولننظر إلى هؤلاء الذين يتعبدون لله بالبدع التي ما أذن الله بها ولا أنزل بها من سلطان، كيف كانوا فرقًا يكفر بعضهم بعضًا ويفسق بعضهم بعضًا، وهم يقولون: إنهم مسلمون
[ ١٩ ]
لقد كفر بعض الناس ببعض في أمور لا تخرج الإنسان إلى الكفر ولكن الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم.
نحن نقول: إننا إذا سرنا على هذا الخط لا نعبد الله إلا في دين الله فإننا سوف نكون أمة واحدة، لو عبدنا الله تعالى بشرعه وهداه لا بهوانا لكنا أمة واحدة فشريعة الله هي الهدى وليست الهوى.
إذًا لو أن أحدًا من أهل البدع ابتدع طريقة عقيدة "أي تعود للعقيدة" أو عملية "تعود إلى العمل" من قول أو فعل، ثم قال إن هذه حسنة. والنبي ﷺ، يقول: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١) .
قلنا له بكل بساطة هذا الحسن الذي ادعيته أنه ثابت في هذه البدعة هل كان خافيًا لدى الرسول، ﵊، أو كان معلومًا عنده لكنه كتمه ولم يطلع عليه أحد من سلف الأمة حتى ادخر لك علمه؟!
والجواب: إن قال بالأول فشر وإن قال بالثاني فأطم وأشر.
_________________
(١) جزء من حديث رواه مسلم جـ٤ كتاب العلم/ باب من سن سنة حسنة أو سيئة.
[ ٢٠ ]
فإن قال: إن الرسول، ﵊ لا يعلم حسن هذه البدعة ولذلك لم يشرعها.
قلنا: رميت رسول الله ﷺ، بأمر عظيم حيث جهلته في دين الله وشريعته.
وإن قال إنه يعلم ولكن كتمه عن الخلق.
قلنا له: وهذه أدهى وأمر لأنك وصفت رسول الله ﷺ، الذي هو الأمين الكريم وصفته بالخيانة وعدم الجود بعلمه، وهذا شر من وصفه بعدم الجود بماله، مع أنه ﷺ، كان أجود الناس! وهنا شر قد يكون احتمالًا ثالثًا بأن الرسول ﷺ، علمها وبلغها ولكن لم تصل إلينا.
فنقول له: وحينئذ طعنت في كلام الله ﷿ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وإذا ضاعت شريعة من شريعة الذكر فمعنى ذلك أن الله لم يقم بحفظه بل نقص من حفظه إياه بقدر ما فات من هذه الشريعة التي نزل من أجلها هذا الذكر!!
[ ٢١ ]
وعلى كل حال فإن كل إنسان يبتدع ما يتقرب به إلى ربه من عقيدة أو عمل قولي أو فعلي فإنه ضال لقول رسول الله ﷺ: "كل بدعة ضلالة١".
وهذه كلية عامة لا يستثنى منها شيء إطلاقًا فكل بدعة في دين الله فإنها ضلالة وليس فيها من الحق شيء فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] .
ثم نقول: إن الحديث لا يدل على كل بدعة بل قال: "من سن في الإسلام" وما خرج عن شريعة الرسول ليس من الإسلام بل قد قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة" وبهذا نعرف أنه لابد أن تكون هذه السنة مما أثبته الإسلام وإلا ليست سنة في الإسلام ومن علم سبب الحديث الذي ذكرناه علم أن المراد بالسنة المبادرة بالعمل أو السبق إلى تنفيذ سنة كان أسبق الناس بها لأن سبب الحديث معلوم وهو أن جماعة جاءوا إلى النبي ﷺ، وكانوا فقراء فحث المسلمين على التصدق عليهم فأتى رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "رقم ٨٦٧".
[ ٢٢ ]
يده فوضعها بين يديه ﷺ، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها". وبهذا عرفنا المراد أن من سنها ليس من شرعها لكن من عمل بها أولًا لأنه بذلك أي بعمله أولًا يكون هو إمامًا للناس فيها فيكون قدوة خير وحسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ولا يرد على ذلك ما ابتدع من الوسائل الموصلة إلى الأمور المشروعة فإن هذه وإن تلجلج بها أهل البدع وقعدوا بها بدعهم فإنه لا نصيب له منها، إلا أن يكون الراقم على الماء له نصيب من الحروف بارزة في الماء!
أقول: إن بعض الناس يستدلون على تحسين بدعهم التي ابتدعوها في دين الله والتي يلزم منها ما سبق ذكره بما أحدث من الوسائل لغايات محمودة.
احتجوا على ذلك بجمع القرآن، وبتوحيده في مصحف واحد وبالتأليف، وببناء دور العلم وغير ذلك مما هو وسائل لا غايات، فهناك فرق بين الشيء الذي يكون وسيلة إلى غاية محمودة مثبتة شرعًا لكنها لا تتحقق إلا بفعل هذه الوسيلة
[ ٢٣ ]
فهذه الوسيلة طبعًا تتجدد بتجدد الزمن وتختلف باختلاف العصور، ها هو قوله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] .
وإعداد القوة على عهده ﵊ غير إعداد القوة في زمننا هذا فإذا ما أحدثنا عملًا معينًا نتوصل به إلى إعداد القوة فإن هذه بدعة وسيلة وليست بدعة غاية يتقرب بها إلى الله ولكنها بدعة وسيلة.
ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن للوسائل أحكام المقاصد وبهذا نعرف أن ما تلجلج به مبتدع الحوادث في دين الله باستدلالهم بمثل هذه القضايا أنه ليس لهم فيها دليل أبدًا لأن كل ما حصل فهو وسائل لغايات محمودة.
فجمع القرآن من تصنيف وما أشبه ذلك كله وسائل لغايات هي مشروعة في نفسها.
فيجب على الإنسان أن يفرق بين الغاية والوسيلة فما قصد لذاته فقد تم تشريعه من عند الرسول ﵊ بما أوحاه الله إليه من الكتاب العظيم ومن السنة المطهرة.
[ ٢٤ ]
ولدينا ولله الحمد آية نتلوها في كتاب الله. وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ [المائدة:٣] .
فلو كان في المحادثات ما يكمل به الدين لكانت قد شرعت وبينت وبلغت وحفظت، ولكن ليس فيها شيء يكون فيه كمال الدين بل نقص في دين الله.
قد يقول بعض الناس: إننا نجد في هذه الحوادث نجد عاطفة دينية ورقة قلبية واجتماعًا عليها.
فنقول: إن الله تعالى أخبر عن الشيطان أنه قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] .
يزينها الشيطان في قلب الإنسان ليصده عما خلق له من عبادة الله التي شرع فترضخ النفس بواسطة تسلط الشيطان على المرء حتى يصده عن دين الحق، وقد أخبر الرسول ﷺ، بأن "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم١"
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "رقم ٢٠٣٥"، ومسلم "رقم ٢١٧٥".
[ ٢٥ ]
بل في القرآن قبل ذلك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩- ١٠٠] .
فجعل الله للشيطان سلطانًا على من تولاه وأشرك به أي جعل لله شريكًا به بواسطة الشيطان.
وكل من جعل له متبوعًا في بدعة من دين الله فقد أشرك بالله ﷿ وجعل هذا المتبوع شريكًا لله تعالى في الحكم.
وحكم الله الشرعي والقدري لا شريك له فيه أبدًا ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] .
وركزت على هذا الأمر لكي يعلم أهل الأحداث المحدثون أنه لا حجة لهم فيما أحدثوه.
واعلم رحمك الله انه لا طريق إلى الوصول إلى الله ﷿ وإلى دار كرامته إلا من الطريق الذي وضعه هو ﷾ على لسان رسوله ﷺ.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] . لو أن ملكًا من الملوك فتح بابًا للدخول عليه وقال من أراد أن يصل إليَّ فليدخل من هذا الباب فما ظنكم بمن ذهب إلى أبواب أخرى هل يصل إليه.
[ ٢٦ ]
كلا بالطبع. والملك العظيم، ملك الملوك، وخالق الخلق جعل طريقًا إليه خاصًا بما جاءه به رسله وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ، الذي بعد بعثه لا يمكن لأي بشر أن ينال السعادة إلا من طريقه ﷺ.
والحقيقة أن تعظيم الرسول ﷺ، وأن الأدب مع الرسول ﷺ، أن نسلك ما سلك، ونذر ما ترك، وأن لا نتقدم بين يديه فنقول في دينه ما لم يقل، أو نحدث في دينه ما لم يشرع.
هل من محبة الرسول ﵊ وتعظيمه أن نحدث في دينه شيئًا يقول هو عنه: "كل بدعة ضلالة". ويقول: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد١".
هل هذا من محبة الرسول؟! أن تشرع في دين الله ما لم يشرع؟
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] .
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "رقم ١٧١٨".
[ ٢٧ ]