وأما الشرك به سبحانه في اللفظ كالحلف به، وقول القائل: ما شاء الله وشئت - إلى أن قال ـ: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، قل من ينجو منه.
قال العراقي: فانظر إلى قوله: إن الشرك في الإرادات والنيات هو البحر الذي لا ساحل له، ومع ذلك لم يحكم على فاعله وقائله وناويه بالشرك المخرج من الملة. فلو كان مخرجًا لما كان المسلمون إلا قليلين، بل أقل من كل قليل، حتى من يدعي التوحيد فإنّ النيات الفاسدة للمخلوق وابتغاء التقرب منه، وطلب الجزاء منه، بل والتذلل له والسجود له كالتعظيم للحكام وأهل الدنيا من أهل الأموال. فإن هذا لا ينجو منه إلا المخلصون، وقليل ما هم.
والجواب أن يقال:
قد تقدم هذا الفصل فيما نقلناه قريبًا فراجعه، تعرف ما اعتراه من تحريف العراقي، وتقدم جوابه مفصلًا فراجعه إن شئت.
قال العراقي: النقل الرابع والأربعون: قال ابن القيم في بدائع الفوائد في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: من الآية٨٩] ما نصه: كانوا يحاربون جيرانهم من
[ ٣٠١ ]
العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي ﷺ قبل ظهوره، فيفتح لهم وينصرون، فلما ظهر النبي ﷺ كفروا به وجحدوا نبوته، فاستفتاحهم به مع جحد نبوته مما لا يجتمعان؛ فإن كان استفتاحهم به لأنه نبي كان جحد نبوته محالًا، وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقًا كان استفتاحهم باطلًا. وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه البتة" انتهى.
وذكر المفسرون أن استفتاحهم به - يعني اليهود - قبل ظهوره للوجود هو قولهم: اللهم بحرمة هذا النبي الذي يكون آخر الزمان انصرنا وافتح لنا، فينصرون ويفتح لهم، ورأيت في بعض حواشي البيضاوي نقلًا عن السعد التفتازاني قال: والأظهر أنهم كانوا يطلبون الفتح من الله عليهم متوسلين بذكره ﷺ ويجعلون اسمه شفيعًا" انتهى.
والجواب أن يقال:
ليس في كلام ابن القيم ما يدل على مسألة النزاع، وليس في كلام المفسرين ما يدل على ذلك، هل قال أحد: إنهم يسألونه الفتح والنصر على أعدائهم من المشركين وأن الآية دلت على هذا بوجه من الوجوه؟ هذا لا يقوله عاقل فضلًا عن المسلم فضلًا عن العالم، سبحان الله وتعالى عما يشركون، وإنما كان استفتاحهم به طلب الفتح بخروج محمد النبي الذي بشرت به الأنبياء وذكرت صفته ونعته في التوراة الذي أظل زمان خروجه، هذا الذي ذكره المفسرون كابن جرير، وابن كثير، وأمثالهم من الأئمة الذين إليهم المرجع في علم التأويل، وما نقله العراقي لم يقله المفسرون، وإنما نقله بعضهم كالفرطبي، فكلام العراقي مجازفة.
قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني اليهود ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني من التوراة، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد كانوا من قبل مجيء الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقاتلكم معه فنقتلكم قتل عاد وإرم. ثم ذكر حديث عاصم بن عمر، وذكر قول ابن عباس ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[ ٣٠٢ ]
قال: "يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم" ثم قال: وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: "يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب"، قال: وقال أبو العالية: "كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم".
وهكذا ذكر غيره من المفسرين كابن جرير وغيره من أهل العلم والأثر، فهذه الأقوال أظهر مما نقله القرطبي، لم لو سلم تسليمًا صناعيًا فليس النزاع في سؤال الله بحرمة نبيه، هذه مسألة أخرى، كما تقدم، إنما النزاع في مسألة دعاء غير الله والطلب من سواه، فإيراد هذا مغالطة وخروج عن محل النزاع، دعاه إليه الإفلاس، وسيأتي الكلام على مسألة سؤال الله بحرمة عبد من عباده وقد تقدم بعض ذلك.
والاحتجاج بالآية على اليهود من جهة استفتاحهم قبل مبعثه ﷺ وكفرهم بعد مبعثه، وتقرير أنهم أهل تحكم وعناد وهوى ليسوا بأهل إيمان وصدق ومتابعة، فإن كان صدر منهم ما حكاه القرطبي، فليس هو تشريع لنا وأمر بأن نفعل ما فعلت اليهود كما زعمه العراقي.
قال العراقي: النقل الخامس والأربعون: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى كالملائكة والكعبة وأحد الشيوخ بل ينهى عنه إما نهي تحريم أو تنزيه. ولم يقل أحد إنه ينعقد اليمين بأحد من الخلق إلا في نبينا ﷺ، وعن أحمد في ذلك روايتان، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، والقول بانعقاد اليمين بالنبي ﷺ شاذ، لم يقل أحد به فيما نعلم" انتهى.
ثم قال العراقي: فقد تبين أن الحلف بغير الله تعالى منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه، بل رواية أحمد بن حنبل وغيره أنه مباح، وأما الحلف بالنبي ﷺ فذهب إلى أنه ينتعقد اليمين به، لأنه جزء الإيمان وعليه الفتوى، وطرد بعض أصحابه ذلك في جميع الأنبياء، وقول الشيخ ﵀: إن القول بانعقاد اليمين به شاذ لا ينبغي في حق الإمام أحمد، كيف يكون شاذًا، وقد
[ ٣٠٣ ]
قاله إمام السنة وقامع البدعة الصديق الثاني: فلو كان وحده لكفى به بقوله سندًا، فكيف وقد قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] فلو استند بظاهر الآية لكفى بقول الله حجة.
والجواب:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية أدى ما عليه، حكى أن اليمين لا تنعقد بغير الله، وأنه منهي عنه ولم يستثن إلا نبينا، قال عن أحمد رواية بانعقادها به ﷺ وبين أن هذا شاذ لم يقل به أحد، وهذا ليس فيه ما يتمسك به مبطل؛ فإنه وإن حكى الخلاف فقد ضعفه، واختار القول الراجح الذي دلت عليه السنة المستفيضة، وجرى عليه العمل عند أهل العلم والحديث، وفي القرون المفضلة وقوله ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" دليل شرعي على العموم، والرواية عن الإمام أحمد ذكر الشيخ أنها شاذة. لا توافق أصوله وقواعده، وما تواتر عنه، وهذا معنى الشذوذ.
وكلام العراقي واعتراضه على الشيخ جهل عظيم فإن الراوي الواحد إذا انفرد بقول أو رواية تخالف المعروف الثابت، وصف القول والرواية بالشذوذ، وقد حكموا على ما خالف المصحف العثماني من القراءات بالشذوذ، كقراءة ابن مسعود مع العلم بأنها ثابتة، قرأ بها من هو من أجل الصحابة وأعلمهم.
واستدلال العراقي بقوله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ جهل عظيم بمعنى الآية، وما عليه أهل العلم. فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقسمه به تشريف له، أو تنبيه على ما فيه من الآية والبرهان، ولا يقاس به غيره تعالى وتقدّس (١) . وقد أقسم بالصافات والمرسلات
_________________
(١) ليس في الآية قسم بالنبي ﷺ مطلقًا ولا بغيره، فهي أولًا خطاب للوط ﵇، فإن سياقها: ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر:٧١ـ٧٣] فمن أين تكون لها علاقة بمحمد ﷺ ما هو إلا التقليد الأعمى وانسياق المتأخر وراء المتقدم بدون تفكير ولا تعقل، وليس معناها القسم، وإنما معناها العدة من الله بإطالة عمر لوط ﵇ بعد إهلاك قومه، في الوقت الذي يخبر الله أنه سينقذ في قوم لوط العذاب والهلاك عاجلًا، وهذا هو المعنى اللائق بالقرآن وآياته ومقاصده، والله أعلم.
[ ٣٠٤ ]
والنازعات، أفيقال: بجواز الحلف بها مع أن الكلام فيما هو أعظم من الحلف والشرك الصراح؟ كالمحبة والخضوع والاستغاثة، والتوكل والإنابة، والركوع والسجود، وغير ذلك مما يختص بالملك الحق المعبود.
وأما الحلف فقد تقدم أن الشيخ محمدًا وأتباعه لا يقولون: إنه كفر مخرج من الملة بل هم أهل علم وسنة يطلقون ما أطلق الشارع، ويتبعون ولا يبتدعون.
ثم قال العراقي: النقل السادس والأربعون: قال ابن قدامة تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه مغني ذوي الأفهام: "ويكره الحلف بغير الله تعالى". انتهى.
جعل عليه علامة المذاهب الأربع على قانون رمزوه.
النقل السابع والأربعون: قال الشيخ ابن قدامة في كتابه المتقدم: "ويباح التوسل بالصالحين أحياء وأمواتًا".
ثم قال: النقل الثامن والأربعون: قال صاحب الإنصاف في التنقيح: "ويحرم حلفه بغير الله، وقيل: يكره، وعنه يباح" انتهى أي عن أحمد بن حنبل صاحب المذهب، ومذهبه: أن الحنث بالنبي ﷺ فيه الكفارة. وطرد ذلك ابن عقيل في جميع الأنبياء.
والجواب أن يقال:
مسألة الحلف بغير الله قد تقدم الكلام فيها، ومما ينبغي أن يعلم أن القائلين بالتحريم من الأئمة وأهل العلم لا يشق غبارهم لا صاحب مغني ذوي الأفهام ولا من هو أجل منه، ونحن لا ننكر أن بعض الناس قال بالكراهة.
وإنما النزاع في تصويب أحد القولين، وأيهما تشهد له الأحاديث النبوية؟ وقال شيخ الإسلام: يحرم الحلف بغير اسمه تعالى: قال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحبّ إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا".
قال شيخ الإسلام: "معنى قول ابن مسعود: أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب".
[ ٣٠٥ ]
قلت: والكذب محرم بالإجماع، ولا يعرف عن الشارع ﷺ إطلاق الشرك والكفر على مكروه من المكروهات، ومن أطلق الكراهة من الأئمة فالأولى حمل كلامه على كراهة التحريم، إحسانًا للظن بالعلماء، وليت هؤلاء القبوريين اقتصروا على ما فيه الخلاف، بل قد تقدم لك أنهم أتوا من الشركيات ما لم تأت به جاهلية العرب.
وأما ما ذكره في النقل السابع والأربعين فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن الواجب في مسألة النزاع ردها إلى الكتاب والسنة، ولا حجة في قول آحاد العلماء. ولا يصح نسبة هذا القول إلى المذهب، كما يعرفه من عرف قواعد المذهب في لزوم السنة وسد الذرائع.
الثاني: أن التوسل في عرف أهل العلم ليس هو التوسل في عرف العراقي وشيعته من عباد القبور، بل التوسل عندهم يطلق على المتابعة والاقتداء، ويطلق على سؤال الله بحق الأنبياء والصالحين. وليس النزاع في هذا كله، وإنما النزاع في اتخاذ الأنداد والآلهة، والتوسل بدعائهم والاستغاثة بهم والطواف بقبورهم.
الثالث: أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه في الاستسقاء، ولم يأت القبر الشريف، ولم يتوسل به، لعلمهم بالسنة وأحكام الشريعة. وتوسل معاوية بيزيد بن الأسود، وهكذا أئمة الدين في كل عصر ومصر، يتوسلون بدعاء الصالحين والأخيار بالاستسقاء وغيره، ولم يقل أحد منهم إنه استسقى عند القبور ويتوسل بها عند الحوادث، هذا لا يقوله من شم رائحة الشريعة، وسلم من سوء المعتقد وخبث السريرة.
الرابع: أن الاحتجاج بقول صاحب مغني ذوي الأفهام جهل بقواعد المذهب واصطلاح أهله، فإن الكتب المعتمدة في الفتوى عندهم معروفة محصورة، وهي كتب أئمة المذهب ورجاله، الذين إليهم المرجع، وصاحب مغني ذوي الأفهام ليس هو الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي تلميذ شيخ
[ ٣٠٦ ]
الإسلام ابن تيمية، كما زعمه هذا الجاهل الغبي (١) .
وأما النقل الثامن والأربعون: فقد تقدم أن العراقي ذكر هذا النقل في الثالث والعشرين، وكرره هنا لإيهام الجهال أنه كثير النقول.
النقل التاسع والأربعون: قال ابن عبد الوهاب في مختصر الشرح الكبير في باب الأيمان: ويكره الحلف بغير الله، ويحتمل أن يكون محرمًا، وقيل: يجوز لأن الله أقسم بمخلوقاته، فقال ﴿والنَّجْمِ﴾، و﴿الشَّمْسِ﴾، و﴿الضُّحَى﴾، و﴿اللَّيْلِ﴾ وغير ذلك لقوله ﷺ: "أفلح وأبيه إن صدق"، وحديث أبي العشراء: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك"، ولنا قوله ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" هذا ملخص ما قاله.
أمليته من حفظي حيث لم توجد النسخة عندي حال الكتابة فقوله: ويكره الحلف. وتقديمه الكراهة على التحريم دليل على أن المتقدمين كانوا مختارين كراهة التنزيه، حتى حكي قول التحريم بيحتمل، الدال على التضعيف. وذكر أن بعض أهل العلم قائل بالجواز وهي رواية عن الإمام أحمد، كما تقدم عن صاحب الإنصاف، وقوله: ولنا دليل على ما اختاره من الكراهة.
والجواب أن يقال:
قد كتبنا فيما تقدم من الرد المختصر أن العراقي دلس ولبس، ولم يأت بالعبارة على وجهها بل حرفها تحريفًا أحال عن معناها؛ فإن الشيخ ذكر الكراهة، ثم ذكر التحريم في أول كلامه نقلًا عن أهل المذهب، وذكر كلام ابن عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم، ثم قال: "وقيل" حكاه بصيغة التمريض - وأن القائل استدل بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: "أفلح وأبيه إن صدق"، وبقوله في حديث أبي العشراء: "أما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك" ثم تعقب الشيخ هذا، وذكر أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء. واستدل بحديث عمر، وبحديث عبد الله بن عمر، وقرر أدلة التحريم، وذكر
_________________
(١) بياض بالأصل بقدر سطرين وربع سطر.
[ ٣٠٧ ]
عن ابن عبد البر أن قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" غير محفوظة من وجه صحيح، والحلف بغير الله تعظيم يشبه تعظيم الرب ﵎.
وبهذا تعرف الراجح الذي اختاره الشيخ وغيره، والشيخ في كتاب التوحيد استدل على هذه المسألة وترجم عليها بقول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية٢٢] وساق حديث ابن عمر، وقول ابن عباس في معنى الآية، ومنه: والله وحياتك.
قلت: ولأهل العلم عن حديث: "أفلح وأبيه"، وحديث أبي العشراء أجوبة معروفة في محلها، منها: أن هذا مما لا يقصد به اليمين، بل هو مما جرى على ألسنتهم من غير قصد، مثل قوله: "تربت يداك"، "ثكلتك أمك"، "ويح عمار" ونحو هذا.
وقيل: إن ذلك منسوخ، واستدل القائل بما لا يمكن دفعه وبعضهم تكلم في السند كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء، وقال النووي في الكلام على قوله ﷺ: "أفلح وأبيه إن صدق" هذا مما جرت به عادتهم يسألون عن الجواب عنه مع قوله ﷺ: "من كان حالفًا فليحلف بالله"، وقوله ﷺ: "إن الله يناهكم أن تحلفوا بأبائكم".
وجوابه: أن قوله ﷺ: "أفلح وأبيه" ليس هو حلفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المخلوق ومضاهاته به ﷾. فهذا هو الجواب المرضي، وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله، والله أعلم.
قال العراقي: النقل الخمسون: قال ابن عبد الوهاب في مختصره: لو قال: "لعمري" أو "لعمرك" فليس بيمين في قول الأكثر، وقال الحسن في قوله: "لعمري" كفارة انتهى.
ومعلوم أن لعمري أو لعمرك قسم بغير الله بلا نزاع ولكن الأكثر ما أوجب
[ ٣٠٨ ]