ويتبع هذا الشرك: الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبي ﷺ من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ " إلى آخر ما قال.
فانظر إلى إقراره أن الشرك في المعاملة والعبادة يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا ربّ سواه وأنه يعمل لحظ نفسه وللخلق وللشيطان، ولطلب الدنيا. ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار، كما ذكر النبي ﷺ لأصحابه أنهم ينجون بقولهم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" حتى قال ﵀: ويتبع هذا الشرك - يعني شرك العبادة - السجود لغير الله والطواف بغير بيته، وتقبيل الأحجار والقبور، والسجود لها، فجعل كل هذه من جنس الشرك الأصغر الأول الذي أخبر أنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه حال أكثر الناس، وأنه يغفر بالاستغفار، وبالاجتهاد والتقليد والتأويل والجهد، كما مرّ عنهما في مواضع متعددة.
والجواب أن يقال:
هذا النقل اعتراه تحريف وإلحاد، وصرف للكلام عن مدلوله، يتبين
[ ٢٧٥ ]
بسياق كلام الشيخ ابن القيم، فإنه لما تكلم على الكبائر ﵀، وتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة بإيجاد الخلق وتكلم على ذلك، فقال ﵀: ووقعت مسألة، وهي أن المشرك إنما قصد تعظيم جناب الربّ ﷾، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلا بالوسائط، والشّفعاء حكال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرّب، وإنما قصد تعظيمه، فلِمَ كان هذا القدر موجبًا لسخطته وغضبه ﵎، ومخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
ويترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله ﷾ لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائل ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كلّ قبيح. وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب.
فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد؛ فإنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له: ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
الشرك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ﷾ لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأوّل نوعان أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٣]، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: من الآية٣٦ـ٣٧] .
والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالحقّ ﷾ وصفاته، ولكنه عطل حقّ التوحيد.
[ ٢٧٦ ]
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
تعطيل المصنوع عن صانعه، وخالقه، وتعطيل الصانع ﷾ عن كماله بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثمّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان. بل الحقّ المنزه هو عين الخلق المشبه ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته: وإن لم يكن معدومًا أصلًا. بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط، اقتضت إيجادها، فسموها العقول والنفوس ومن هذا شرك ومن عطل أسماء الرب ﵎، وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
[ ٢٧٧ ]